نون - قد يبدو تتبع الغازات فكرة طريفة أو محرجة، لكن باحثين يحاولون تحويلها إلى مصدر بيانات يساعد على فهم صحة الجهاز الهضمي بصورة أدق.
فقد طوّر فريق بحثي جهازاً صغيراً يمكن تثبيته في الملابس الداخلية لرصد بعض الغازات التي ينتجها الجسم، في محاولة لفهم العلاقة بين الطعام وميكروبيوم الأمعاء والانتفاخ ومشكلات الهضم المختلفة.
كيف تعمل الملابس الداخلية الذكية؟
يعتمد الابتكار على قرص صغير بحجم قريب من قطعة نقدية، يُثبّت في الجزء الخلفي من الملابس الداخلية.
ويحتوي الجهاز على مستشعرات كهروكيميائية قادرة على اكتشاف غاز الهيدروجين، وهو أحد الغازات التي تنتج عندما تقوم بكتيريا الأمعاء بتخمير بعض أنواع الكربوهيدرات والألياف.
ويتيح التصميم للمستخدم ممارسة يومه بصورة طبيعية، بينما يسجل الجهاز الغازات بصورة مستمرة بدلاً من الاعتماد فقط على ذاكرة الشخص أو تقديره الشخصي لعدد مرات حدوثها.
ما علاقة الغازات بصحة الأمعاء؟
إطلاق الغازات عملية طبيعية تحدث نتيجة نشاط الجهاز الهضمي والبكتيريا الموجودة في القولون.
وعندما تصل بعض الكربوهيدرات والألياف التي لم تُهضم بالكامل إلى الأمعاء الغليظة، تبدأ البكتيريا بتخميرها، وينتج عن ذلك عدد من الغازات، من بينها الهيدروجين.
ويختلف مقدار الغازات من شخص إلى آخر بحسب النظام الغذائي، وتركيب ميكروبيوم الأمعاء، وطريقة الهضم، وحتى كمية الهواء التي يبتلعها الشخص أثناء الأكل والشرب.
ولهذا يأمل الباحثون أن يساعد القياس الدقيق في فهم سبب قدرة بعض الأشخاص على تناول كميات كبيرة من الألياف من دون مشكلات، بينما يعاني آخرون من الانتفاخ وعدم الراحة.
لماذا يهتم العلماء بالألياف؟
الألياف عنصر مهم في النظام الغذائي، وترتبط بصحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول، كما تمثل غذاءً مهماً لعدد من أنواع البكتيريا النافعة في الأمعاء.
لكن زيادة تناولها بسرعة قد تؤدي لدى بعض الأشخاص إلى زيادة الغازات والانتفاخ، خصوصاً في بداية تغيير النظام الغذائي.
ومن هنا جاءت فكرة دراسة تغير إنتاج الغازات مع الطعام بدلاً من النظر إليها باعتبارها مجرد عرض مزعج.
مشروع «أطلس غازات الإنسان»
يستخدم الجهاز ضمن مشروع بحثي يحمل اسم Human Flatus Atlas أو «أطلس غازات الإنسان».
ويشارك متطوعون من مناطق مختلفة في ارتداء الجهاز وتسجيل الأطعمة التي يتناولونها، حتى يتمكن الباحثون من مقارنة النظام الغذائي بأنماط إنتاج الغازات.
ويهدف المشروع في النهاية إلى بناء قاعدة بيانات تساعد على فهم الاختلافات الطبيعية بين الأشخاص، وربما تحديد أنماط مرتبطة بمشكلات هضمية معينة مستقبلاً.
كم مرة يطلق الإنسان الغازات؟
لا يوجد حتى الآن رقم واحد يمكن اعتباره المعدل الطبيعي للجميع.
وفي إحدى الدراسات الأولى باستخدام الجهاز، ارتدى المشاركون المستشعر نحو 12 ساعة يومياً لمدة أسبوع، وسجل الباحثون متوسطاً بلغ نحو 32 مرة خلال فترة القياس اليومية.
لكن هذا الرقم لا يعني أن الشخص الذي يطلق غازات أكثر أو أقل يعاني مشكلة صحية، لأن الاختلافات الفردية كبيرة للغاية.
كما أن الدراسة الأحدث توسعت لتشمل أكثر من 500 متطوع، ارتدوا الجهاز لفترات أطول وصلت لدى بعضهم إلى 30 يوماً.
الجهاز يرصد الغازات حتى أثناء النوم
من الجوانب التي أثارت اهتمام الباحثين قدرة الجهاز على تسجيل الغازات على مدار اليوم وأثناء النوم.
فهذا النوع من البيانات لم يكن سهلاً الحصول عليه سابقاً، إذ كانت طرق القياس القديمة إما تعتمد على تسجيل الشخص لنفسه أو تحتاج إلى إجراءات أكثر تدخلاً وغير عملية للاستخدام اليومي.
ويتيح الجهاز الجديد متابعة ما يحدث بصورة أكثر طبيعية ومن دون تعطيل حياة المستخدم.
هل يمكن استخدامه لتشخيص الأمراض؟
حالياً، الجهاز أداة بحثية وليس جهازاً طبياً معتمداً للتشخيص.
ولا توجد أدلة كافية تسمح للطبيب بتشخيص مرض معين بناء على عدد مرات إطلاق الغازات وحده.
لكن الباحثين يأملون في أن تكشف البيانات مستقبلاً أنماطاً تساعد على فهم اضطرابات الجهاز الهضمي أو الاستجابة للأطعمة والعلاجات بصورة أكثر تخصيصاً.
متى تكون الغازات طبيعية؟
في معظم الحالات، الغازات جزء طبيعي من عملية الهضم ولا تستدعي القلق.
وقد تزداد بعد تناول أطعمة معينة، مثل البقوليات وبعض الخضار أو عند زيادة الألياف في النظام الغذائي.
كما قد يشعر شخص بأنه يعاني غازات مفرطة، بينما يكون في الواقع ضمن النطاق الطبيعي مقارنة بغيره.
ولهذا فإن التركيز على عدد مرات خروج الغازات وحده قد لا يقدم صورة دقيقة عن صحة الجهاز الهضمي.
متى تستدعي الغازات الانتباه؟
تصبح الغازات أكثر أهمية طبياً عندما تترافق مع أعراض أخرى مستمرة أو غير معتادة.
ومن العلامات التي تستحق مراجعة الطبيب:
- ألم البطن المتكرر أو الشديد.
- انتفاخ مستمر ومزعج.
- الإسهال أو الإمساك المزمن.
- فقدان الوزن من دون سبب واضح.
- وجود دم في البراز.
- تغير واضح ومستمر في عادات التبرز.
وقد تظهر زيادة الغازات أيضاً لدى بعض الأشخاص المصابين بحالات مثل عدم تحمل اللاكتوز أو الداء البطني، لكنها ليست وحدها كافية لتشخيص أي منهما.
عدم خروج الغازات قد يكون أخطر من كثرتها أحياناً
رغم أن كثيرين يقلقون من كثرة الغازات، فإن عدم القدرة على إخراجها تماماً مع وجود ألم في البطن وتوقف التبرز قد يكون علامة تستدعي الرعاية الطبية العاجلة.
فهذا المزيج من الأعراض قد يرتبط بانسداد في الأمعاء، وهي حالة تحتاج إلى تقييم سريع.
هل سنحصل مستقبلاً على أنظمة غذائية حسب غازاتنا؟
هذا أحد السيناريوهات التي يأمل الباحثون الوصول إليها.
فمع توفر بيانات أكبر عن ميكروبيوم الأمعاء والطعام والغازات، قد يصبح من الممكن مستقبلاً تصميم أنظمة غذائية أو تدخلات أكثر تخصيصاً بحسب استجابة كل شخص.
لكن العلم لم يصل إلى هذه المرحلة بعد، ولا تزال العلاقة بين أنواع معينة من البكتيريا والأمراض معقدة وغير محسومة في كثير من الحالات.
الغازات ليست مقياساً للصحة وحدها
رغم غرابة الابتكار، فإنه يسلط الضوء على حقيقة مهمة: ما يحدث داخل الأمعاء أكثر تعقيداً من مجرد الشعور بالانتفاخ.
وقد تساعد الأجهزة القابلة للارتداء مستقبلاً على تحويل أعراض يصعب قياسها إلى بيانات يمكن تحليلها ومقارنتها.
لكن في الوقت الحالي، لا تعني زيادة الغازات وحدها وجود مرض، كما أن ارتفاعها بعد تناول المزيد من الألياف قد يكون استجابة طبيعية ومؤقتة.







