نون - عادت الحصبة إلى واجهة المخاوف الصحية في الولايات المتحدة بعد تسجيل أول حالتي وفاة مرتبطتين بالمرض خلال عام 2026، بالتزامن مع ارتفاع عدد الإصابات إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ سنوات.
وأعلنت السلطات الصحية في ولاية بنسلفانيا وفاة شخصين غير حاصلين على لقاح الحصبة، في وقت تجاوز فيه عدد الحالات المؤكدة في الولايات المتحدة 2700 إصابة حتى أواخر أغسطس، ما أعاد الجدل حول تراجع معدلات التطعيم وقدرة السلطات على احتواء مرض شديد العدوى كان قد أصبح نادراً نسبياً خلال العقود الماضية.
أول وفيات بالحصبة في الولايات المتحدة خلال 2026
أكدت وزارة الصحة في بنسلفانيا تسجيل حالتي وفاة مرتبطتين بالحصبة لشخصين من مقاطعة لانكستر، موضحة أن كليهما لم يكن قد تلقى التطعيم ضد المرض.
وتمثل الحالتان أول وفيات مرتبطة بالحصبة في الولاية منذ نحو 35 عاماً، ما يعكس حجم التحول الذي طرأ على وضع المرض بعد عقود من انخفاض معدلات الإصابة والوفاة بفضل برامج التطعيم.
ولم تكشف السلطات عن أعمار المتوفين أو تفاصيل شخصية إضافية احتراماً لخصوصية العائلتين.
أكثر من 2700 إصابة خلال عام واحد
وصل عدد حالات الحصبة المؤكدة في الولايات المتحدة إلى 2777 حالة حتى 20 أغسطس 2026، موزعة على عشرات الولايات والمناطق.
وتجاوز هذا الرقم بالفعل إجمالي الحالات المسجلة خلال عام 2025، عندما سُجلت 2289 إصابة مؤكدة.
كما ارتبطت الغالبية العظمى من حالات 2026 بتفشيات محلية، وهو ما يشير إلى قدرة الفيروس على الانتشار بسرعة عندما يصل إلى تجمعات تضم أعداداً كبيرة من الأشخاص غير المحصنين.
لماذا تعد الحصبة شديدة العدوى؟
الحصبة من أكثر الأمراض الفيروسية المعدية، وتنتقل عبر الهواء عندما يسعل المصاب أو يعطس.
ويمكن أن يبقى الفيروس في الهواء داخل المكان لفترة بعد مغادرة الشخص المصاب، ما يجعل انتقال العدوى ممكناً حتى من دون احتكاك مباشر طويل.
وتبدأ الأعراض عادة بالحمى والسعال وسيلان الأنف واحمرار العينين، ثم يظهر طفح جلدي مميز بعد عدة أيام.
وقد يعتقد البعض أن الحصبة مجرد مرض طفولي عابر، لكن الإصابة يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خصوصاً لدى الأطفال الصغار والحوامل والأشخاص الذين يعانون ضعفاً في المناعة.
ما مضاعفات الحصبة؟
يمكن أن تؤدي العدوى في بعض الحالات إلى التهاب الأذن أو الإسهال والجفاف، بينما قد تتطور حالات أخرى إلى مضاعفات أكثر خطورة.
ومن أبرزها الالتهاب الرئوي والتهاب الدماغ، وقد يحتاج بعض المصابين إلى دخول المستشفى للحصول على الرعاية الطبية.
ورغم أن الوفاة تظل غير شائعة مقارنة بعدد الإصابات، فإنها ممكنة، وهو ما تعكسه الحالات التي سُجلت أخيراً في الولايات المتحدة.
انخفاض التطعيم يعيد المرض إلى الواجهة
كانت الولايات المتحدة قد أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة عام 2000، لكن ذلك لم يكن يعني اختفاء الفيروس عالمياً.
إذ يمكن أن تصل حالات جديدة من الخارج، ويعتمد منع انتشارها محلياً بدرجة كبيرة على مستوى المناعة داخل المجتمع.
وتشير البيانات الصحية إلى تراجع نسبة الأطفال في رياض الأطفال الحاصلين على لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية MMR من أكثر من 95% قبل عدة سنوات إلى نحو 92.4% خلال العام الدراسي 2025-2026.
وقد يبدو الفارق صغيراً، لكنه مهم للغاية بالنسبة إلى مرض سريع الانتشار مثل الحصبة.
لماذا تعد نسبة 95% مهمة؟
كلما ارتفعت نسبة الأشخاص المحصنين ضد الحصبة، قلت فرص انتقال الفيروس داخل المجتمع.
وتشير تقديرات الصحة العامة إلى أن الحفاظ على تغطية تطعيم تقارب 95% يساعد على منع التفشيات الواسعة، بينما يمكن للفيروس أن يجد طريقه بسهولة أكبر عندما تنخفض النسبة، خصوصاً في المناطق التي تتجمع فيها أعداد كبيرة من غير الملقحين.
ولهذا قد تظهر بؤر واسعة للمرض حتى في ولاية تبدو معدلات التطعيم العامة فيها مرتفعة نسبياً.
بنسلفانيا توسع حملات التطعيم
مع ارتفاع الإصابات والوفيات، كثفت السلطات الصحية في بنسلفانيا جهودها لرفع معدلات التطعيم.
وشملت الاستجابة إطلاق عيادات مؤقتة وتوسيع الوصول إلى لقاح MMR في المناطق الأكثر تأثراً، إضافة إلى توجيه المدارس والعاملين في القطاع الصحي للتعامل مع الحالات المحتملة بسرعة.
ومنذ بداية التفشي في أبريل، قدمت العيادات المؤقتة التابعة للولاية آلاف الجرعات، مع التخطيط لإقامة المزيد من مواقع التطعيم خلال الأسابيع التالية.
ما مدى فاعلية لقاح MMR؟
يُعد لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية من أهم وسائل الوقاية من المرض.
وتوفر الجرعتان الموصى بهما حماية مرتفعة للغاية ضد الحصبة، وتصل الفاعلية إلى نحو 97%.
ولا يحمي التطعيم الشخص الذي يتلقاه فقط، بل يساعد أيضاً على تقليل انتشار الفيروس وحماية الأطفال الصغار أو الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على اللقاح لأسباب طبية.
هل يمكن أن تفقد أمريكا وضعها كدولة خالية من الحصبة؟
استمرار سلاسل انتقال الحصبة لفترة طويلة قد يثير تساؤلات حول وضع الولايات المتحدة كدولة قضت على الانتقال المستمر للمرض.
فاللقب لا يعني عدم ظهور أي حالة على الإطلاق، وإنما يعني عدم استمرار انتقال السلالة نفسها بصورة محلية لمدة طويلة.
ومع توسع التفشيات الحالية، أصبحت مدة استمرار الانتقال ومصدر الحالات من العوامل التي تراقبها الجهات الصحية لتحديد ما إذا كان الوضع الذي تحقق عام 2000 لا يزال قائماً.
لماذا تعيد وفيات 2026 التحذير من المرض؟
تكشف الحالات الأخيرة أن الأمراض التي أصبحت نادرة بفضل اللقاحات يمكن أن تعود عندما تتسع فجوات التحصين.
فالحصبة لم تصبح أقل عدوى، وإنما كان انتشارها محدوداً لأن أغلبية المجتمع كانت محصنة ضدها.
ومع انخفاض التغطية في بعض المناطق، يعود الفيروس ليجد أشخاصاً أكثر قابلية للإصابة، ما يزيد احتمال ظهور تفشيات أكبر ومضاعفات ووفيات كان يمكن تجنب نسبة كبيرة منها.
الوقاية تبدأ بالتطعيم
في ظل استمرار تسجيل الحالات، يبقى التأكد من الحصول على الجرعات الموصى بها من لقاح MMR أهم وسيلة للحماية.
كما يُنصح الأشخاص الذين يشتبهون في تعرضهم للحصبة أو ظهور أعراض مشابهة لديهم بالتواصل مع مقدم الرعاية الصحية قبل التوجه مباشرة إلى العيادة، حتى يمكن اتخاذ إجراءات تمنع تعريض أشخاص آخرين للعدوى.
وتكشف أزمة الحصبة في الولايات المتحدة خلال 2026 أن السيطرة على المرض لا تعتمد على نجاحات الماضي فقط، بل على استمرار مستويات مرتفعة من التحصين والاستجابة السريعة لكل بؤرة جديدة.







