نون - لماذا يحقق شخص خسارة كبيرة في الوزن باستخدام دواء معين، بينما تكون استجابة شخص آخر للدواء نفسه محدودة؟ سؤال يحاول الباحثون الإجابة عنه بعيداً عن الوزن ومؤشر كتلة الجسم وحدهما، من خلال البحث في الجينات والآليات التي تتحكم في الشهية والشعور بالشبع.
وفي خطوة قد تقرّب علاج السمنة من مفهوم "الطب الشخصي"، طور باحثون في مايو كلينك مقياساً جينياً يهدف إلى توقع مقدار السعرات الحرارية التي يحتاجها الإنسان قبل أن يشعر بالشبع، ودراسة ما إذا كان بالإمكان استخدام هذه المعلومة مستقبلاً للمساعدة في اختيار علاج إنقاص الوزن الأكثر ملاءمة لكل شخص.
لماذا تختلف الاستجابة لأدوية إنقاص الوزن؟
السمنة حالة معقدة لا ترتبط بعامل واحد، إذ تتداخل فيها الجينات والهرمونات والبيئة والعادات الغذائية والسلوك ونمط الحياة.
وهذا الاختلاف بين الأشخاص قد يكون أحد أسباب تفاوت النتائج مع أدوية إنقاص الوزن، بما فيها العلاجات التي تستهدف مسارات هرمونية مرتبطة بالشهية والشبع مثل
GLP-1.
لذلك، يحاول العلماء الانتقال من سؤال "كم يبلغ وزن الشخص؟" إلى سؤال أكثر دقة: "ما الآليات البيولوجية التي تساهم في زيادة وزنه؟".
الشبع في قلب الدراسة
ركز الباحثون على مفهوم أطلقوا عليه "السعرات الحرارية اللازمة للشبع"، أي كمية الطاقة التي يتناولها الشخص قبل أن يشعر بأنه تناول ما يكفي من الطعام.
ولقياس الاختلافات بين الأشخاص، شملت الدراسة نحو 800 بالغ يعانون السمنة، وقدم الباحثون لهم وجبة تضم اللازانيا والحلوى، مع السماح لهم بتناول الطعام حتى الوصول إلى الشعور بالشبع.
وكان الفارق بين المشاركين كبيراً للغاية.
فبينما شعر بعض الأشخاص بالشبع بعد استهلاك نحو 140 سعرة حرارية، احتاج آخرون إلى أكثر من 2000 سعرة حرارية للوصول إلى الشعور نفسه.
كما أظهرت البيانات أن متوسط السعرات المستهلكة لدى الرجال كان أعلى مقارنة بالنساء.
"الدماغ الجائع" و"الأمعاء الجائعة"
لم يبدأ اهتمام الفريق بهذه الفكرة حديثاً، إذ سبق للباحثين تحديد أنماط مختلفة مرتبطة بالسمنة وسلوك تناول الطعام.
ومن بينها ما أطلقوا عليه "الدماغ الجائع"، وهو نمط يرتبط بالحاجة إلى تناول كمية أكبر من الطعام للوصول إلى الشبع.
أما "الأمعاء الجائعة"، فترتبط بالعودة إلى تناول الطعام بصورة متكررة خلال اليوم.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن شخصين يحملان الوزن أو مؤشر كتلة الجسم نفسه قد تكون لديهما أسباب بيولوجية مختلفة وراء الإفراط في تناول الطعام.
الوزن والهرمونات لم تفسر كل شيء
درس الباحثون عدداً من العوامل التي يمكن أن تؤثر في كمية الطعام اللازمة للشبع، بما في ذلك وزن الجسم، ونسبة الدهون، والعمر، والطول، ونسبة محيط الخصر إلى الورك.
كما درسوا هرمونات مرتبطة بالشهية والشبع، بينها الغريلين واللبتين.
لكن هذه المؤشرات لم تكن كافية لتفسير الفروق الكبيرة بين المشاركين، ما دفع الفريق إلى البحث بصورة أعمق في العامل الجيني.
10 جينات تدخل المعادلة
جمع الفريق تأثير متغيرات في 10 جينات مرتبطة بتناول الطعام، وطور منها مقياساً جينياً أطلق عليه CTS-GRS.
ويهدف المقياس إلى تقدير كمية السعرات التي يُتوقع أن يحتاجها الشخص قبل الوصول إلى الشبع.
بعد ذلك، استخدم الباحثون بيانات من تجارب سريرية سابقة لمعرفة ما إذا كان هذا المؤشر يرتبط باختلاف الاستجابة لبعض أدوية علاج السمنة.
نتائج مختلفة بين دواءين
عند تحليل بيانات دواء فينترمين-توبيراميت، المعروف تجارياً باسم Qsymia، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين تشير خصائصهم إلى حاجتهم لكمية أكبر من السعرات للوصول إلى الشبع حققوا خسارة أكبر في الوزن مع هذا العلاج.
أما مع ليراغلوتايد، المعروف باسم Saxenda، فظهرت استجابة أفضل لدى الأشخاص الذين كانت لديهم كمية أقل من السعرات اللازمة للوصول إلى الشبع.
وهذه النتائج تطرح احتمالاً مثيراً للاهتمام: قد لا يكون السؤال مستقبلاً عن "أفضل دواء لإنقاص الوزن" بصورة عامة، وإنما عن العلاج الذي يتوافق بصورة أفضل مع بيولوجيا كل شخص.
وماذا عن أوزيمبك وويغوفي؟
امتد اهتمام الباحثين أيضاً إلى السيماغلوتايد، المادة المستخدمة في أدوية من بينها Ozempic وWegovy.
ويعمل الفريق على دراسة ما إذا كان المقياس الجيني نفسه يمكن أن يساعد في توقع الاستجابة لهذا النوع من العلاجات أيضاً.
لكن هذه المرحلة ما زالت تحتاج إلى مزيد من الأبحاث والتحقق قبل تحويل النتائج إلى أداة يمكن الاعتماد عليها بصورة روتينية لاتخاذ القرارات العلاجية.
هل يعني ذلك إجراء تحليل جيني قبل اختيار دواء التنحيف؟
ليس بعد.
فالنتائج تفتح باباً مهماً أمام تطوير علاج أكثر تخصيصاً للسمنة، لكنها لا تعني أن هناك حالياً اختباراً جينياً يستطيع الشخص إجراءه ثم اختيار دواء إنقاص الوزن بنفسه بناءً على النتيجة.
اختيار العلاج يعتمد على عوامل عديدة، منها الحالة الصحية والأدوية الأخرى والآثار الجانبية المحتملة وموانع الاستخدام والتاريخ الطبي، إلى جانب تقييم الطبيب.
لكن إذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فقد تصبح المعلومات الجينية جزءاً من الأدوات التي تساعد الأطباء على توقع أي علاج قد يمنح المريض فرصة أكبر للاستجابة قبل الدخول في رحلة طويلة من تجربة دواء ثم الانتقال إلى آخر.
وبذلك قد يتجه علاج السمنة مستقبلاً من الحلول الموحدة للجميع إلى خطة أكثر دقة، تبدأ بفهم سبب الجوع وطريقة استجابة الجسم للطعام قبل اختيار الدواء.







