نون - قد تطلبين من طفلك عشرات المرات أن يرتب ألعابه، أو يخفض صوته، أو يعتذر عندما يخطئ، ثم تتساءلين لماذا لا يستجيب. وفي المقابل، قد تجدينه يقلد كلمة تقولينها أو تصرفاً تقومين به من دون أن تطلبي منه ذلك أصلاً.
السبب بسيط؛ فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، بل مما يراه أمامه كل يوم. طريقة حديثنا، وردود أفعالنا عند الغضب، وتعاملنا مع الآخرين وحتى الطريقة التي نتصرف بها عندما نخطئ، كلها تتحول إلى دروس يلتقطها الطفل بالمراقبة.
لماذا يقلد الطفل ما يراه؟
منذ سنوات الطفولة المبكرة، تعد الملاحظة والتقليد من الطرق الأساسية التي يتعلم بها الطفل.
فهو يراقب الأشخاص الأقرب إليه ويحاول فهم العالم من خلال سلوكهم. لذلك لا ينتبه فقط إلى الكلمات التي توجه إليه، وإنما يلاحظ نبرة الصوت، وطريقة حل المشكلات، وكيفية التعبير عن المشاعر والتعامل مع الآخرين.
ولهذا، عندما تطلبين منه أن يتحدث بهدوء بينما يراكِ تصرخين كلما غضبتِ، تصل إليه رسالتان مختلفتان؛ واحدة يسمعها، وأخرى يشاهدها تتكرر أمامه.
وغالباً يكون السلوك المتكرر أكثر تأثيراً من النصيحة.
القدوة لا تعني أن تكوني أماً مثالية
أن تكوني قدوة لطفلك لا يعني ألا تغضبي أو تخطئي أو تفقدي صبرك أبداً.
فالطفل يستطيع أن يتعلم الكثير أيضاً من الطريقة التي تتعاملين بها مع الخطأ.
إذا رفعتِ صوتك مثلاً، ثم عدتِ إليه واعتذرتِ وقلتِ: "كنت غاضبة، لكن كان بإمكاني أن أتحدث بطريقة أفضل"، فأنتِ لا تقللين من مكانتك أمامه.
على العكس، أنتِ تقدمين له مثالاً عملياً على الاعتذار وتحمل المسؤولية وتصحيح السلوك.
فالدرس هنا ليس أن الإنسان لا يخطئ، وإنما أنه يستطيع الاعتراف بخطئه وإصلاحه.
الاحترام يتعلمه من التفاصيل اليومية
قد نتحدث كثيراً مع أطفالنا عن ضرورة احترام الآخرين، بينما توجد أقوى دروس الاحترام في المواقف اليومية البسيطة.
عندما يراكِ طفلك تستمعين إلى شخص يتحدث من دون مقاطعته، وتشكرين من يقدم لك خدمة، وتحترمين خصوصية الآخرين ولا تسخرين منهم، فهو يتعلم معنى الاحترام بصورة عملية.
والعكس صحيح أيضاً.
إذا اعتاد رؤية الصراخ أو الإهانة أو السخرية باعتبارها طرقاً طبيعية للتعامل مع الخلافات، فقد يبدأ في استخدامها لأنها أصبحت بالنسبة إليه جزءاً مألوفاً من التواصل.
هل هذا يعني أن النصائح غير مهمة؟
بالتأكيد لا.
يحتاج الطفل إلى قواعد واضحة وتوجيه يناسب عمره، خاصة عندما يواجه موقفاً جديداً ولا يعرف كيف يتصرف.
لكن النصيحة تصبح أقوى عندما تتوافق مع ما يراه.
فبدلاً من الاكتفاء بقول: "لا تضرب أخاك عندما تغضب"، يمكنكِ توضيح البديل: "عندما تغضب، أخبره بما أزعجك".
ثم ساعديه على تطبيق ذلك في الموقف الحقيقي.
بهذه الطريقة يجتمع الكلام مع القدوة والتجربة.
لا تطلبي منه التحكم بمشاعره وأنتِ تمنعينه من التعبير عنها
من أكثر المواقف التي تكشف أهمية القدوة طريقة التعامل مع الغضب.
فالطفل الذي يبكي أو يصرخ لا يحتاج دائماً إلى أن يسمع "توقف عن الغضب"، بل يحتاج تدريجياً إلى معرفة الفرق بين الشعور والتصرف.
الغضب شعور طبيعي، لكن الضرب أو الإهانة ليست الطريقة المناسبة للتعبير عنه.
وعندما يراكِ تقولين: "أنا منزعجة الآن وأحتاج إلى دقيقة حتى أهدأ"، فأنتِ تمنحينه نموذجاً حقيقياً لتنظيم المشاعر بدلاً من مطالبته بشيء لم يتعلم بعد كيف يفعله.
طفلك يراقب علاقتك بالآخرين أيضاً
لا يقتصر الأمر على طريقة تعاملك معه.
فالطفل يراقب كيف تتحدثين مع شريك حياتك، وكيف تختلفين مع أفراد العائلة، وطريقة تعاملك مع العاملين والغرباء والأصدقاء.
عندما يراكِ تختلفين مع شخص من دون إهانته، أو تعتذرين عندما تخطئين، أو تضعين حدودك من دون إساءة، فإنه يبدأ في تكوين صورة عن شكل العلاقات الصحية.
وقد تكون هذه التفاصيل الصغيرة أكثر تأثيراً من عشرات المحاضرات عن الأخلاق والاحترام.
اشرحي له ما تفعلينه
لا تحتاج القدوة دائماً إلى أن تكون صامتة.
يمكن استغلال بعض المواقف اليومية لتوضيح التفكير الموجود خلف تصرفك.
فإذا توقفتِ قليلاً أثناء الغضب قبل الرد، يمكنك أن تقولي لطفلك: "كنت غاضبة، لذلك انتظرت قليلاً حتى أستطيع الكلام بهدوء".
بهذه الجملة البسيطة، لا يرى الطفل التصرف فقط، بل يفهم لماذا قمتِ به، ما يساعده لاحقاً على تجربة الأسلوب نفسه.
ماذا لو اكتشفتِ أنكِ تفعلين عكس ما تطلبينه منه؟
لا تحاولي تغيير كل شيء دفعة واحدة.
ابدئي بسلوك واحد تريدين أن يكتسبه طفلك، ثم راقبي نفسك خلال اليوم.
إذا كنتِ تريدينه أن يتحدث بهدوء، انتبهي إلى نبرة صوتك عندما تتوترين. وإذا كنت تريدينه أن يعتذر، دعيه يراكِ تعتذرين عندما تخطئين. وإذا كنتِ تريدينه أن يبتعد عن الهاتف أثناء الحديث، راقبي استخدامك له عندما يتحدث إليكِ.
هذه التفاصيل المتكررة هي التي تتحول مع الوقت إلى نموذج يتعلم منه.
ما تفعليه أمام طفلك قد يكون أقوى مما تقولينه له
يتعلم الطفل من التوجيه والنصيحة، لكنه يتعلم أيضاً من مراقبة الأشخاص الذين يحبهم ويثق بهم.
لذلك، لا تحتاج التربية دائماً إلى المزيد من الكلام، بل أحياناً إلى أن نسأل أنفسنا: هل السلوك الذي يراه طفلي مني هو نفسه السلوك الذي أطلبه منه؟
ولستِ بحاجة إلى أن تكوني أماً لا تخطئ، وإنما إلى أن يراكِ طفلك تحاولين، وتعتذرين، وتتعلمين، وتتعاملين مع الآخرين بالطريقة التي تتمنين أن يتعامل بها هو يوماً ما.







