نون - لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تُستخدم خلف الكواليس لتحسين المؤثرات أو تسريع المونتاج، بل أصبح قادرًا على المشاركة في صناعة أفلام كاملة، من تصميم الشخصيات والصور إلى الأصوات والحركة، وصولًا إلى أعمال تُعرض في فعاليات سينمائية دولية.
وأعادت الدورة الثالثة من مهرجان "ريبلاي لأفلام الذكاء الاصطناعي" هذا الجدل إلى الواجهة، بعدما استقبلت أكثر من 3 آلاف فيلم قصير من 76 دولة، في مؤشر على اتساع تجربة صناعة السينما باستخدام الأدوات التوليدية.
3 آلاف فيلم من 76 دولة
أقيم مهرجان "ريبلاي" بالتزامن مع الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي، واختيرت 10 أفلام فقط للوصول إلى القائمة النهائية من بين أكثر من 3 آلاف مشاركة.
ورغم أن المسابقة لا تعد جزءًا من المسابقات الرسمية لمهرجان البندقية، فإن إقامة حفل جوائزها في جزيرة ليدو، حيث يلتقي صنّاع السينما والصحفيون والموزعون خلال المهرجان، منحت هذا النوع الجديد من الأفلام حضورًا قريبًا من واحدة من أهم ساحات السينما العالمية.
فيلم يفوز من دون طاقم تصوير تقليدي
حصل المخرج الكندي روبرت غوديت على الجائزة الأولى عن فيلمه القصير "A Face Only A Mother Could Love"، الذي يقدم قصة شاب فرنسي يدعى مارسيل يعيش منعزلًا بسبب تشوه في وجهه، قبل أن تتغير حياته عندما تتشكل علاقة إنسانية بينه وبين امرأة.
لكن اللافت في العمل لم يكن قصته فقط، بل طريقة إنتاجه، إذ استخدم المخرج مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور والشخصيات والحركة بدل الاعتماد على فريق تقليدي من الممثلين والفنيين.
وأوضح غوديت أن محدودية الميزانية جعلت تحويل السيناريو إلى فيلم بالطريقة المعتادة أمرًا صعبًا، بينما أتاحت له أدوات الذكاء الاصطناعي تنفيذ الفكرة.
من التجربة الفردية إلى ظاهرة سينمائية
قد يبدو إنتاج فيلم بهذه الطريقة تجربة تقنية محدودة، إلا أن وصول آلاف الأعمال إلى مسابقة واحدة يشير إلى أن الظاهرة تتوسع بسرعة.
فأدوات الذكاء الاصطناعي باتت تدخل في مراحل مختلفة من صناعة الفيلم، من تطوير الأفكار والسيناريو إلى تصميم الشخصيات وتوليد الصور والأصوات والمؤثرات وعمليات ما بعد الإنتاج.
واشترطت المسابقة أن يتضمن كل عمل استخدامًا واضحًا للذكاء الاصطناعي، سواء كان الفيلم مولدًا بصورة كبيرة بهذه التقنيات أو دمجها مع أساليب الإنتاج السينمائي التقليدية.
أفلام تجمع بين الإنسان والآلة
ترأس لجنة تحكيم المسابقة المخرج الإيطالي غابرييلي سالفاتوريس، الحائز جائزة أوسكار، والذي أشار إلى أن بعض الأعمال أظهرت قدرة صنّاعها على الجمع بين الفكرة الإبداعية والتكنولوجيا.
وحصل فيلم الرسوم المتحركة "Le Drip" للمخرجين أليكس ناغافي وإزرا لي على المركز الثاني، بينما جاء فيلم "Centenarian Kindergarten" في المركز الثالث.
وتدور أحداث الأخير في عام 2090، داخل عالم توقفت فيه ولادة الأطفال، حيث يحاول أربعة أشخاص تجاوزوا المئة الهرب من منشأة تفرض عليهم شكلًا مصطنعًا من السعادة بمساعدة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
هل تكرر سينما الذكاء الاصطناعي قصة نتفليكس؟
الحضور الجديد لأفلام الذكاء الاصطناعي يعيد إلى الأذهان الجدل الذي رافق صعود منصات البث الرقمي قبل سنوات، عندما رفض البعض اعتبار الأفلام التي لا تُعرض تقليديًا في دور السينما جزءًا من المشهد السينمائي نفسه.
وفي عام 2017 أثارت مشاركة أفلام موزعة بواسطة نتفليكس في مهرجان كان جدلًا واسعًا، قبل أن تتغير مكانة أفلام المنصات تدريجيًا وتصبح جزءًا أساسيًا من مواسم المهرجانات والجوائز.
وبعد عام واحد فقط، فاز فيلم "Roma" للمخرج ألفونسو كوارون، والذي وزعته نتفليكس، بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية.
الفرق هذه المرة أكبر
لكن الجدل المرتبط بالذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من الخلاف السابق حول منصات البث.
فالمنصات غيرت الطريقة التي يصل بها الفيلم إلى الجمهور، لكنها أبقت العملية الإبداعية التقليدية قائمة على المخرجين والكتّاب والممثلين وفرق التصوير.
أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع اليوم التدخل في جوهر صناعة الفيلم نفسه، بما في ذلك الكتابة والصوت والصورة والشخصيات وحتى الأداء الظاهر على الشاشة.
وهذا يثير أسئلة حول من يُعد المؤلف الحقيقي للعمل، ومن يمتلك الحقوق، وما المصادر المستخدمة في تدريب النماذج، وكيف يمكن أن تتأثر الوظائف الإبداعية مع تطور هذه التقنيات.
مهرجانات السينما تبدأ بالتكيف
بدأت المهرجانات والمؤسسات السينمائية بالفعل التعامل مع هذه التحولات، مع ظهور فعاليات ومسابقات موازية تتناول الأعمال المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي وأشكال السرد الجديدة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد مهرجان كان فعاليات مرتبطة بالأعمال الغامرة والتقنيات الحديثة، في حين ظل استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية في الفيلم موضوعًا منفصلًا عن المسابقة الرئيسية.
وتدور المواقف الحالية غالبًا حول فكرة استخدام التقنية كأداة تساعد المبدع، بدل أن تحل بصورة كاملة مكان الإنسان في العملية الفنية.
الأوسكار يضع حدودًا للذكاء الاصطناعي
امتد النقاش أيضًا إلى أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، المسؤولة عن جوائز الأوسكار، التي بدأت بوضع قواعد تتعامل بصورة أوضح مع استخدام التقنيات التوليدية.
ولا يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي وحده إلى استبعاد العمل أو منحه أفضلية، إذ يبقى التركيز على حجم المشاركة البشرية في عملية الإبداع.
كما أصبحت الأسئلة المتعلقة بالتأليف والأداء البشري أكثر أهمية، خصوصًا في فئات مثل الكتابة والتمثيل، حيث ترتبط الجائزة مباشرة بعمل الإنسان وإبداعه.
هل تصل أفلام الذكاء الاصطناعي إلى المسابقات الكبرى؟
لا يعني ظهور مهرجان متخصص بالتزامن مع مهرجان البندقية أن أفلام الذكاء الاصطناعي دخلت بالفعل المسابقات الرسمية الكبرى.
لكن وجود آلاف الأفلام ومخرجين محترفين ولجان تحكيم بارزة يكشف أن المجال لم يعد مجرد مجموعة من التجارب التقنية المنتشرة عبر الإنترنت.
ومع تطور الأدوات وتحسن جودة الصورة والحركة والصوت، قد يصبح السؤال خلال السنوات المقبلة ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيشارك في صناعة السينما، بل إلى أي مدى ستسمح المؤسسات السينمائية له بالدخول إلى قلب العملية الإبداعية.







