نون - قد لا يكون عدد الساعات التي نقضيها جالسين خلال اليوم هو العامل الوحيد الذي يستحق الانتباه، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن طريقة توزيع وقت الجلوس قد تكون مهمة أيضًا، وأن البقاء لفترات طويلة من دون حركة ارتبط بارتفاع خطر الإصابة بالسرطان والوفاة بسببه.
وفي المقابل، أظهرت النتائج أن قطع فترات الخمول بالحركة، حتى عندما تكون خفيفة، ارتبط بنتائج صحية أفضل، ما يعزز فكرة بسيطة يمكن تطبيقها خلال يوم العمل: لا تبقَ في الوضع نفسه لساعات متواصلة.
أكثر من 91 ألف شخص تحت المتابعة
اعتمد الباحثون على بيانات 91,292 مشاركًا من البنك الحيوي البريطاني، ولم يكن لديهم تاريخ للإصابة بالسرطان عند بداية الدراسة.
وارتدى المشاركون أجهزة لقياس الحركة لمدة 7 أيام، ما أتاح للباحثين الحصول على بيانات موضوعية عن النشاط والخمول بدل الاعتماد فقط على ما يتذكره الأشخاص عن ساعات جلوسهم.
بعد ذلك، تمت متابعة حالتهم الصحية لمدة تجاوز متوسطها 12 عامًا، لدراسة العلاقة بين أنماط الخمول والإصابة بالسرطان والوفاة المرتبطة به.
ما المقصود بالجلوس المتواصل؟
لم ينظر الباحثون إلى إجمالي الوقت الذي يقضيه الشخص في حالة خمول فقط، بل فرقوا بين الفترات الطويلة والمتواصلة والفترات التي تتخللها حركة.
واعتبرت الدراسة الخمول المطول فترات تستمر 30 دقيقة على الأقل، ويقضي الشخص معظمها في حالة خمول.
وهذا يعني أن قضاء 8 ساعات في وظيفة مكتبية مع النهوض والحركة بصورة متكررة قد لا يكون مماثلًا تمامًا لقضاء الوقت نفسه في فترات طويلة متواصلة من الجلوس.
كل ساعة إضافية ارتبطت بزيادة خطر الوفاة بالسرطان
وجد الباحثون أن كل ساعة إضافية يوميًا من الخمول المطول ارتبطت بارتفاع خطر الوفاة بالسرطان بنحو 9%.
كما ارتبطت الساعة الإضافية بزيادة خطر الإصابة بالسرطان بصورة عامة بنحو 3%.
لكن هذه الأرقام تعبّر عن ارتباط إحصائي وليست دليلًا على أن ساعة إضافية من الجلوس ستؤدي مباشرة إلى الإصابة بالسرطان.
ماذا يحدث عندما نقطع الجلوس بالحركة؟
هنا ظهرت واحدة من أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام.
فالفترات التي كان الخمول خلالها أكثر تقطعًا بالحركة ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة بالسرطان بنحو 18% لكل ساعة، إلى جانب انخفاض خطر الإصابة بالسرطان بصورة عامة بنحو 6%.
وتشير النتائج إلى أن نمط الحركة خلال اليوم قد يكون مهمًا، وليس فقط عدد دقائق التمارين التي يمارسها الشخص في النادي أو بعد انتهاء العمل.
حتى النشاط الخفيف قد يصنع فرقًا
لم تقتصر الفائدة المحتملة على التمارين القوية.
فعندما قدر الباحثون أثر استبدال ساعة واحدة يوميًا من الخمول المطول بنشاط بدني خفيف، وجدوا ارتباطًا بانخفاض خطر الوفاة بالسرطان بنحو 12%، وانخفاض خطر الإصابة بالسرطان بنحو 6%.
وهذا النوع من النشاط لا يعني بالضرورة ممارسة تمرين رياضي كامل، بل يمكن أن يشمل الحركة اليومية الخفيفة.
هل عليكِ الوقوف كل 30 دقيقة؟
لا تثبت الدراسة أن هناك قاعدة سحرية تقول إن الجلوس لمدة 31 دقيقة يصبح خطرًا بينما 29 دقيقة آمنة.
لكن النتائج تشير إلى أن فترات الخمول الطويلة والمتكررة تستحق الانتباه، وأن إدخال الحركة إلى اليوم بصورة منتظمة قد يكون خيارًا أفضل من قضاء ساعات طويلة من دون تغيير الوضعية.
يمكن، على سبيل المثال، النهوض للمشي قليلًا، أو إحضار الماء، أو التحرك أثناء المكالمات، أو القيام ببعض المهام بعيدًا عن المكتب.
الفكرة ليست تحويل يوم العمل إلى حصة رياضية، وإنما كسر فترات الجلوس الطويلة.
هل الجلوس يسبب السرطان؟
لا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة من الدراسة الحالية.
فالبحث من نوع الدراسات الرصدية، وهذا يعني أنه يستطيع الكشف عن وجود علاقة بين نمط معين والنتائج الصحية، لكنه لا يستطيع بمفرده إثبات أن الجلوس المطول هو الذي تسبب مباشرة في السرطان.
وقد تتداخل عوامل أخرى مرتبطة بنمط الحياة والصحة العامة مع هذه العلاقة.
لذلك من الأدق القول إن الجلوس المطول ارتبط بارتفاع الخطر وليس أنه "يسبب السرطان".
الحركة الخفيفة لا تلغي أهمية الرياضة
لا تعني النتائج أن المشي لدقائق خلال ساعات العمل يغني عن ممارسة النشاط البدني المنتظم.
لكنها تشير إلى أن الحركة اليومية البسيطة تستحق الاهتمام إلى جانب التمارين المعتدلة والقوية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين تتطلب وظائفهم الجلوس لساعات طويلة.
وبدل التفكير في الرياضة على أنها ساعة منفصلة من اليوم، قد يكون من المفيد أيضًا التفكير في مقدار الحركة التي تحدث خلال الساعات المتبقية.
تعملين خلف المكتب؟ اجعلي الحركة جزءًا من يومك
إذا كان عملك يتطلب الجلوس معظم اليوم، فلا داعي للذعر أو التخلي عن المكتب.
لكن يمكن تحويل بعض العادات الصغيرة إلى فرص للحركة: الوقوف بين المهام، المشي لدقائق، استخدام الدرج عندما يكون ذلك مناسبًا، أو أخذ استراحة قصيرة بعيدًا عن الشاشة.
فالرسالة التي تقدمها الدراسة ليست أن "الكرسي يسبب السرطان"، وإنما أن قضاء فترات طويلة جدًا من دون حركة قد لا يكون الخيار الأفضل للصحة، وأن كسر هذا الخمول بحركة بسيطة قد يكون ذا فائدة على المدى الطويل.







