فقد يجلس أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، فيسمع معظمهم صوت المضغ بوصفه تفصيلاً عاديًا لا يستحق الانتباه، لكن الصوت نفسه قد يطلق لدى شخص آخر موجة فورية وحادة من الغضب أو الاشمئزاز، مع توتر في العضلات وتسارع في نبض القلب ورغبة قوية في الابتعاد عن المكان أو إيقاف الصوت. وقد يبدو رد الفعل مبالغًا فيه لمن لا يختبره، غير أنه عند المصاب لا يكون مجرد انزعاج بسيط، ولا قرارًا واعيًا بأن يغضب.
ما الميزوفونيا؟
تُعرف هذه الظاهرة باسم "الميزوفونيا" (Misophonia)، أي انخفاض القدرة على تحمّل أصوات محددة. وقد أعادت دراسة حديثة منشورة عام 2026 في مجلة "هيومن برين مابينغ" تسليط الضوء على ما يحدث داخل الدماغ، بعدما ربطت شدة الأعراض بنمط مميز من الاتصال الوظيفي في الجزء الأمامي من القشرة الجزيرية، وهي منطقة محورية ضمن ما يسمى "شبكة البروز"، وهو نظام دماغي واسع النطاق يحدد ويرشح أهم المحفزات الداخلية والخارجية لتوجيه الانتباه والسلوك.
ووفق تعريف توافقي وضعه خبراء دوليون عام 2022، فإن الميزوفونيا اضطراب في تحمّل أصوات بعينها أو المثيرات المرتبطة بها، تولّد استجابات انفعالية وجسدية وسلوكية قوية لا تظهر لدى معظم الناس تجاه الصوت نفسه. وتشمل المحفزات الشائعة أصوات المضغ والبلع وتحريك الشفتين والتنفس والشم والتنحنح، إضافة إلى النقر بالقلم أو الأصابع والكتابة على لوحة المفاتيح. والمهم هنا أن المشكلة لا تتحدد بارتفاع مستوى الصوت، إذ قد يكون منخفضًا جدًا ومع ذلك يثير استجابة جارفة، بينما قد يتحمل الشخص أصواتًا أعلى بكثير لا تنتمي إلى قائمة محفزاته. كما يتأثر رد الفعل بهوية مصدر الصوت وسياقه؛ فقد يكون الصوت الصادر عن الشخص نفسه أقل إزعاجًا من الصوت ذاته حين يصدر عن آخر.
وهذا ما يميز الميزوفونيا عن فرط السمع، الذي ترتبط مشكلته غالبًا بشدة الصوت وإدراكه على أنه مرتفع أو مؤلم بصورة غير طبيعية، رغم إمكان اجتماع الحالتين. كما أن التضايق العابر من صوت شخص يأكل لا يكفي لتشخيص الميزوفونيا؛ إذ تصبح الظاهرة ذات أهمية سريرية عندما تكون الاستجابة شديدة ومتكررة وتؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات.
ماذا فعل الباحثون؟
حلل الباحثون بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء الراحة، لعينة ضمت 162 بالغًا من عامة السكان، دون أن يستمع المشاركون إلى أصوات المضغ داخل جهاز التصوير، بل قاس الباحثون درجة تزامن النشاط بين مناطق الدماغ في حالة الراحة، وهو ما يسمى الاتصال الوظيفي. ولأن مجموعة التصوير لم تخضع أصلاً لتقييم مباشر ومخصص للميزوفونيا، اشتق الباحثون لكل مشارك درجة تقديرية لشدة الأعراض من بيانات حساسية حسية أوسع، بُنيت على عينة مستقلة من 777 بالغًا في ولاية أوكلاهوما الأميركية.
ووجد الباحثون ارتباطًا مع مجموعات دماغية شملت السطح الصدغي، وهو جزء من القشرة السمعية العليا يساعد على تحليل الأصوات المعقدة، ومع الغطاء القشري والتلفيف أمام المركزي والمنطقة الحركية التكميلية، وهي مناطق تشارك في دمج المعلومات الحسية وتمثيل الأفعال والاستعداد للحركة. وكان هذا النمط مميزًا للجزء الأمامي من القشرة الجزيرية داخل شبكة البروز، ولم يظهر عند تحليل البيانات وفق درجات القلق أو الاكتئاب أو السمات التوحدية. ومن اللافت أن العلاقة برزت عند معاملة الأعراض كطيف متدرج، لكنها لم تظهر بوضوح عند تقسيم المشاركين إلى مجموعتي "مصاب" و"غير مصاب"، ما يدعم فكرة أن الميزوفونيا تتوزع بين السكان على درجات، من حساسية خفيفة إلى اضطراب شديد يعوق الحياة.
دور القشرة الجزيرية وشبكة البروز
تقع القشرة الجزيرية في عمق الدماغ خلف أجزاء من الفصين الجبهي والصدغي، ولا يصح وصفها بأنها "مركز الغضب"، إذ تساعد الدماغ على دمج ما يحدث في الخارج مع ما يحدث داخل الجسم، مثل نبض القلب والتنفس والتوتر العضلي، فيما تعمل شبكة البروز، التي تمثل القشرة الجزيرية الأمامية إحدى عقدها الأساسية، كمنظومة إنذار وانتقاء تراقب سيل المعلومات وتحدد ما يستحق الانتباه. فإذا نسبت هذه الشبكة أهمية مفرطة إلى صوت معين، فقد ينتقل سريعًا إلى مركز الوعي، مصحوبًا باستنفار جسدي وانفعالي يصعب تجاهله.
وتقترح النتائج مسارًا محتملاً من ثلاث حلقات: تتعرف المناطق السمعية إلى نمط الصوت ومعناه، ثم تمنحه القشرة الجزيرية وشبكة البروز أولوية انفعالية غير عادية، وبعدها تنخرط المناطق الحركية والجهاز العصبي الذاتي في الاستعداد للاستجابة، وهو ما قد يفسر لماذا لا يسمع الشخص الصوت فحسب، بل يشعر أنه "حدث اقتحامي" يتطلب فعلاً سريعًا، مع أن هذا التسلسل يبقى تفسيرًا مرجحًا لا آلية مثبتة بالكامل.
كيف تنسجم النتائج مع دراسات سابقة؟
بدأت الصورة العصبية تتضح قبل نحو عقد؛ ففي دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة "كارنت بيولوجي"، أظهرت أصوات التحفيز لدى مصابين بالميزوفونيا استجابة مبالغًا فيها في القشرة الجزيرية الأمامية، تزامنت مع ارتفاع نبض القلب وزيادة التوصيل الكهربائي للجلد. وفي 2019، وجدت دراسة مستقلة نشاطًا أكبر لدى المصابين في الجزيرة والقشرة الحزامية الأمامية، ثم اقترحت دراسة 2021 "أساسًا حركيًا" للميزوفونيا، بعدما رصدت اتصالاً أقوى بين القشرة السمعية ومناطق حركية مرتبطة بحركات الفم والوجه، وكأن الدماغ يحاكي حركة الشخص الآخر. لكن هذه الفرضية لا تفسر وحدها كل المحفزات، إذ قد ينزعج البعض من نقر الأصابع أو أصوات ميكانيكية، وفي دراسة صغيرة عام 2022 امتدت فروق الاتصال إلى مناطق حسية حركية لا تخص الفم. وتأتي دراسة 2026 لتدعم نموذجًا أوسع يربط السمع وتحديد الأهمية والإحساس بالجسم والاستعداد الحركي ضمن شبكة واحدة.
هل حُدد السبب فعلاً؟
رغم أهمية الدراسة الجديدة، فإن القول إن العلماء "حددوا سبب الميزوفونيا" يتجاوز ما تسمح به البيانات؛ فالدراسة مقطعية وترصد ارتباطًا بين شدة الأعراض ونمط الاتصال الدماغي، دون أن تثبت أن هذا النمط هو الذي أنشأ الأعراض، إذ قد يكون عاملاً مهيئًا أو نتيجة سنوات من الانتباه المتكرر. كما لم يُقيّم المشاركون في مجموعة التصوير بأداة تشخيصية مباشرة، وجرى التصوير في حالة راحة دون تقديم محفزات صوتية فعلية، ما يعني أن النمط المكتشف ليس فحصًا تشخيصيًا جاهزًا للعيادات ويحتاج إلى تكراره في عينات سريرية مستقلة.
ومع ذلك، تحمل النتائج قيمة حقيقية؛ فهي تقدم دليلاً إضافيًا على أن الميزوفونيا ليست مجرد قلة صبر أو سوء خلق، وتوحي بأنها لا تُختزل في القلق أو الاكتئاب أو التوحد، وإن أمكن اجتماعها مع هذه الحالات.
الميزوفونيا وعلاجها
لا يوجد حتى الآن تحليل مخبري أو صورة رنين تشخص الميزوفونيا، ولم تُعتمد بعد تشخيصًا مستقلاً في التصنيفات الكبرى، ويعتمد التقييم على طبيعة المحفزات وشدة الانفعال ودرجة التجنب وتأثير الحالة في الوظائف اليومية. ولا يوجد دواء نوعي معتمد لها، لكن أظهرت تجربة عشوائية صغيرة شملت 54 بالغًا أن برنامجًا جماعيًا من العلاج المعرفي السلوكي خفّض الأعراض وحقق تحسنًا سريريًا لدى 37% من مجموعة العلاج مقابل صفر في مجموعة الانتظار. كما تشير تجارب أحدث إلى إمكان استفادة بعض المرضى من تدخلات تركز على المرونة وتنظيم الانتباه، وإن كانت قاعدة الأدلة لا تزال محدودة.
وعمليًا، قد يجمع التدبير بين فهم المحفزات وترتيبات بيئية معقولة، مثل استخدام صوت خلفي أو اختيار مكان جلوس مناسب، وتعلم مهارات خفض الاستثارة، وعلاج القلق أو الاكتئاب المصاحبين عند وجودهما، دون أن يتحول التجنب إلى عزلة متزايدة، ويُفضّل أن يكون ذلك بمساعدة مختص في الصحة النفسية.
خلاصة
تقدم أبحاث الميزوفونيا مثالاً واضحًا على أن التجربة الحسية لا تحددها خصائص المثير وحدها؛ فالصوت الذي يكاد لا يلاحظه شخص قد يصبح لدى آخر إشارة عالية الأولوية تربط بين السمع والانفعال والجسد والاستعداد للحركة. والصياغة العلمية الأدق ليست أن الباحثين اكتشفوا سببًا واحدًا نهائيًا، بل أنهم حددوا نمطًا دماغيًا ينسجم مع شدة الميزوفونيا، في خطوة تنقل النقاش من لوم المصاب إلى دراسة الآلية، تاركة أسئلة أساسية مفتوحة بانتظار دراسات مستقبلية.







