نون - بدأ الأمر بفيديو عائلي عادي لطفلة في الرابعة من عمرها، وانتهى بسيل من التعليقات التي تطالب والدتها بعرضها على الأطباء وإجراء فحوصات لها، بعدما قرر مستخدمون على مواقع التواصل أن حاجبيها الكثيفين قد يكونان علامة على اضطراب وراثي نادر.
القصة التي عاشتها صانعة المحتوى الأمريكية كيلي برانش أعادت إلى الواجهة ظاهرة متزايدة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لصورة أو مقطع فيديو لا يتجاوز ثوانٍ أن يتحول إلى مساحة للتشخيص الطبي، رغم غياب التاريخ الصحي والفحص السريري وأي معلومات كافية عن الشخص.
من حاجبين كثيفين إلى تشخيص بمرض نادر
نشرت برانش، وهي أم لأربعة أطفال وتستعد لاستقبال طفلها الخامس، مقطعاً لابنتها البالغة من العمر أربع سنوات عبر "تيك توك".
لم يلفت الفيديو اهتماماً كبيراً في البداية، لكن الأم فوجئت لاحقاً بعدد كبير من التعليقات التي تربط شكل حاجبي طفلتها بمتلازمة سانفيليبو، وهي اضطراب وراثي نادر يؤثر تدريجياً في الدماغ والجهاز العصبي.
بعض المعلقين لم يكتفوا بطرح الاحتمال، بل طالبوا الأم بالتوجه سريعاً إلى طبيب الأطفال، فيما وصل الأمر لدى آخرين إلى اتهامها بالتقصير في صحة ابنتها.
وأكدت برانش أن طفلتها لا تعاني المشكلات الصحية أو التطورية التي أشار إليها المعلقون، وأن أطباءها لم يبدوا سابقاً أي مخاوف تتعلق بنموها أو تطورها.
كما أوضحت أن الحواجب الداكنة والكثيفة موجودة لديها ولدى والد الطفلة، ما يجعلها سمة عائلية طبيعية بالنسبة إليهما.
هل يمكن تشخيص مرض من ملامح الوجه؟
قد ترتبط بعض الاضطرابات الوراثية بمجموعة من السمات الجسدية، لكن وجود سمة واحدة لا يكفي بمفرده لتأكيد الإصابة بمرض.
فالتشخيص الطبي يعتمد عادة على مجموعة من الأعراض والتاريخ الطبي والفحص السريري، وقد يتطلب تحاليل أو اختبارات جينية متخصصة.
وهنا تكمن مشكلة "التشخيص عبر التعليقات": المستخدم يرى جزءاً صغيراً جداً من الصورة، لكنه قد يتعامل معه وكأنه دليل طبي قاطع.
والأكثر خطورة أن التعليق الذي يبدأ بعبارة "ربما عليك فحص هذا" قد يتحول سريعاً إلى عشرات التعليقات المشابهة، فيبدو الاحتمال غير المثبت وكأنه حقيقة لمجرد تكراره.
عندما تتحول "النية الحسنة" إلى تخويف
قد يكون بعض المعلقين مدفوعين فعلاً بالرغبة في المساعدة، خصوصاً إذا سبق لهم التعامل مع حالة صحية مشابهة، لكن طريقة تقديم المعلومة تحدث فرقاً كبيراً.
هناك فارق بين تنبيه أحد الوالدين بهدوء إلى أمر يمكن مناقشته مع الطبيب، وبين تشخيص طفل علناً، أو الجزم بإصابته، أو اتهام أسرته بالإهمال.
وفي حالة برانش، قالت الأم إن بعض التعليقات أصبحت عدوانية، وهو ما جعل التجربة بالنسبة إليها تتجاوز حدود النصيحة غير المطلوبة إلى شعور بأنها مطالبة بالدفاع عن صحة طفلتها أمام غرباء لا يعرفونها.
الأطفال أمام جمهور لم يختاروه
القصة تفتح أيضاً نقاشاً أوسع حول نشر صور ومقاطع الأطفال على الإنترنت، أو ما يعرف بمصطلح "Sharenting"، الذي يجمع بين كلمتي المشاركة والأبوة.
يستخدم كثير من الأهل منصات التواصل لمشاركة اللحظات العائلية والتواصل مع الأقارب والأصدقاء، إلا أن نشر محتوى الأطفال أمام جمهور واسع قد يعرضهم أيضاً لتعليقات على أجسادهم وملامحهم وسلوكهم وصحتهم.
وقد تبقى هذه الصور والمقاطع والتعليقات متاحة رقمياً لسنوات، في وقت لم يكن الطفل نفسه قادراً على اتخاذ قرار بشأن نشرها من الأساس.
الخصوصية ليست الخطر الوحيد
لا تقتصر المخاطر المحتملة لمشاركة تفاصيل الأطفال عبر الإنترنت على التعليقات المزعجة، بل تمتد إلى التنمر الإلكتروني، واستخدام الصور خارج سياقها، وكشف معلومات شخصية عن الطفل، وتكوين بصمة رقمية عنه في سن مبكرة.
لذلك لا يعني الحديث عن هذه المخاطر أن يتوقف الأهل تماماً عن مشاركة لحظاتهم العائلية، وإنما أن يصبح السؤال قبل النشر أكثر وضوحاً: ما الذي نكشفه عن الطفل؟ ومن يستطيع مشاهدة المحتوى؟ وهل قد يسبب له هذا المنشور إحراجاً أو ضرراً مستقبلاً؟
لا تجعلي التعليقات عيادة طبية
إذا لاحظ شخص علامة صحية حقيقية في صورة طفل، يمكن التعبير عن القلق بطريقة مسؤولة ومن دون إصدار تشخيص أو تخويف الأسرة.
وفي المقابل، لا ينبغي للأهل اعتبار عشرات التعليقات المتشابهة بديلاً عن رأي الطبيب. انتشار المعلومة على "تيك توك" أو "إنستغرام" لا يجعلها تشخيصاً طبياً.
قد تلفت وسائل التواصل الانتباه أحياناً إلى مشكلة تستحق السؤال عنها، لكن الحكم على صحة طفل من شكل حاجبيه أو صورة وجهه يظل مثالاً واضحاً على المسافة الكبيرة بين الملاحظة والتشخيص.
وفي زمن يستطيع فيه الجميع التعليق على الجميع، ربما تصبح إحدى أهم قواعد التعامل مع محتوى الأطفال بسيطة: ليس كل ما نلاحظه يحتاج إلى تشخيص، وليس كل رأي يجب أن يُكتب.







