نون - بالنسبة إلى معظم الأشخاص، قد لا يكون صوت المضغ أو البلع أكثر من صوت عابر لا يستحق الانتباه، لكن لدى آخرين يمكن أن يثير غضباً شديداً أو اشمئزازاً وتوتراً فورياً، يصل أحياناً إلى الرغبة في مغادرة المكان.
هذه الحالة تُعرف باسم الميزوفونيا (Misophonia)، وتشير دراسة حديثة إلى أن الأمر قد يرتبط بطريقة مختلفة يتعامل بها الدماغ مع أصوات معينة ويمنحها أهمية أكبر من المعتاد.
ما هي الميزوفونيا؟
الميزوفونيا هي انخفاض القدرة على تحمّل أصوات محددة، بحيث تؤدي بعض الأصوات اليومية إلى استجابة انفعالية وجسدية قوية لا يشعر بها معظم الأشخاص عند سماعها.
ومن أشهر الأصوات المحفزة لها:
- المضغ والبلع.
- التنفس أو تحريك الشفتين.
- التنحنح.
- النقر بالأصابع أو القلم.
- الكتابة على لوحة المفاتيح.
- بعض الأصوات المتكررة الأخرى.
ولا ترتبط المشكلة بالضرورة بارتفاع الصوت، إذ يمكن لصوت منخفض جداً أن يسبب انزعاجاً شديداً، بينما لا يتأثر الشخص نفسه بأصوات أعلى بكثير.
كما قد تختلف الاستجابة بحسب الشخص الذي يصدر عنه الصوت أو المكان والظروف المحيطة به.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة Human Brain Mapping، بحث العلماء في الاتصال بين مناطق مختلفة من الدماغ لمعرفة ما إذا كانت شدة الميزوفونيا ترتبط بنمط عصبي معين.
وركز الباحثون بصورة خاصة على منطقة تُعرف باسم القشرة الجزيرية الأمامية، وهي جزء من شبكة دماغية تساعد على تحديد المعلومات والمحفزات التي تستحق اهتمامنا.
وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين شدة أعراض الميزوفونيا وطريقة اتصال هذه المنطقة بمناطق أخرى مسؤولة عن معالجة الأصوات والحركة والمعلومات الحسية.
وبعبارة أبسط، قد يتعامل دماغ الشخص المصاب مع صوت مثل المضغ باعتباره حدثاً مهماً ومزعجاً يحتاج إلى استجابة فورية، بدلاً من تصنيفه كصوت عادي في الخلفية.
لماذا يتحول صوت بسيط إلى مصدر للغضب؟
تقترح النتائج أن العملية قد تبدأ عندما تتعرف المناطق السمعية في الدماغ إلى الصوت، ثم تمنحه الشبكات المسؤولة عن تحديد أهمية المحفزات أولوية انفعالية كبيرة.
بعد ذلك، قد يستجيب الجسم أيضاً، فيشعر الشخص بتوتر في العضلات أو تسارع ضربات القلب أو رغبة قوية في الابتعاد وإيقاف الصوت.
وهذا قد يفسر لماذا يشعر بعض المصابين بأن رد فعلهم يحدث بشكل سريع وتلقائي، وليس مجرد قرار منهم بالانزعاج.
لكن الباحثين يشددون على أن الدراسة لم تثبت وجود سبب واحد ونهائي للميزوفونيا، وإنما كشفت نمطاً دماغياً قد يساعد على فهم آلية حدوثها.
ليست مجرد "قلة صبر"
دعمت دراسات سابقة فكرة أن الميزوفونيا ترتبط باستجابات عصبية وجسدية قابلة للقياس.
فقد أظهرت أبحاث سابقة نشاطاً أكبر في بعض مناطق الدماغ لدى المصابين عند سماع الأصوات المحفزة، بالتزامن مع تغيرات جسدية مثل ارتفاع معدل ضربات القلب.
كما اقترحت دراسات أخرى وجود اتصال أقوى بين المناطق السمعية والحركية في الدماغ، خاصة عند سماع أصوات مرتبطة بحركات الفم مثل المضغ.
وتشير الصورة التي تتشكل من الأبحاث الحديثة إلى أن الميزوفونيا قد تكون نتيجة تفاعل عدة أنظمة في الدماغ تشمل السمع والانفعال والإحساس بالجسم والاستعداد للحركة.
هل كل من ينزعج من صوت المضغ مصاب بالميزوفونيا؟
لا. فالانزعاج من طريقة تناول شخص للطعام، على سبيل المثال، لا يعني تلقائياً الإصابة بالميزوفونيا.
وتصبح الحالة أكثر أهمية عندما تكون الاستجابة قوية ومتكررة إلى درجة تؤثر في حياة الشخص، مثل تجنب تناول الطعام مع الآخرين أو الابتعاد عن بعض الأماكن أو تأثر العلاقات والدراسة والعمل.
كما تختلف الميزوفونيا عن فرط السمع، ففي فرط السمع تكون المشكلة مرتبطة غالباً بإدراك بعض الأصوات على أنها مرتفعة جداً أو مؤلمة، بينما ترتبط الميزوفونيا بأنماط صوتية معينة بغض النظر عن مستوى ارتفاعها.
هل يوجد علاج للميزوفونيا؟
حتى الآن، لا يوجد فحص مخبري أو تصوير للدماغ يمكن استخدامه بمفرده لتشخيص الميزوفونيا، كما لا يوجد دواء مخصص ومعتمد لعلاجها.
لكن بعض التدخلات قد تساعد على تخفيف تأثيرها في الحياة اليومية.
وأظهرت تجربة صغيرة على بالغين أن العلاج المعرفي السلوكي ساعد بعض المشاركين على تقليل شدة الأعراض وتحسين قدرتهم على التعامل معها.
وقد تشمل طرق التعامل أيضاً استخدام أصوات خلفية في بعض المواقف، وفهم المحفزات الشخصية، وتعلم تقنيات تنظيم التوتر والانفعال، إلى جانب الحصول على مساعدة متخصصة عندما تبدأ الحالة بالتأثير بشكل واضح في الحياة اليومية.
العلماء يقتربون من فهم الظاهرة
لا تعني النتائج الجديدة أن العلماء توصلوا إلى "زر الغضب" المسؤول عن الميزوفونيا، لكنها تقدم دليلاً إضافياً على أن الاستجابة لبعض الأصوات قد ترتبط بكيفية معالجة الدماغ لها، وليس بمجرد سوء المزاج أو قلة الصبر.
ولا تزال هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات، أبرزها سبب تطور هذه الحساسية لدى بعض الأشخاص دون غيرهم، ولماذا تصبح أصوات معينة مرتبطة بأشخاص أو مواقف محددة أكثر استفزازاً.
ومع استمرار الدراسات، قد يساعد فهم هذه الدوائر العصبية مستقبلاً على تطوير طرق أكثر فعالية لمساعدة الأشخاص الذين تتحول بالنسبة إليهم أصوات يومية بسيطة، مثل المضغ أو النقر بالقلم، إلى مصدر حقيقي للتوتر والانزعاج.







