نون - قد يبدو تعلق الطفل بوالدته أمراً طبيعياً ومحبباً، خصوصاً في سنواته الأولى، لكن الأمر يصبح مرهقاً عندما لا يستطيع الابتعاد عنها لدقائق، أو يبدأ بالبكاء بمجرد خروجها من الغرفة، أو يرفض البقاء مع الآخرين والذهاب إلى الروضة.
والتعلق في حد ذاته ليس مشكلة، فهو جزء من شعور الطفل بالأمان، لكن الهدف مع نموه هو مساعدته على الانتقال تدريجياً من الاعتماد الكامل على الأم إلى الشعور بالأمان حتى في غيابها.
لماذا يتعلق الطفل بأمه بشدة؟
قد تزداد حاجة الطفل إلى البقاء بالقرب من والدته في مراحل معينة من نموه، وخصوصاً عندما يمر بقلق الانفصال. كما يمكن أن يظهر التعلق بصورة أوضح عند حدوث تغييرات في حياته، مثل الانتقال إلى منزل جديد أو بدء الروضة أو استقبال مولود جديد في الأسرة.
كذلك، قد يصبح الطفل أكثر التصاقاً بوالدته عندما يكون متعباً أو مريضاً أو يمر بمرحلة التسنين.
وفي بعض الحالات، تؤدي الحماية الزائدة إلى تعزيز الاعتماد على الأم. فعندما تقوم بكل شيء نيابة عن طفلها أو تمنعه باستمرار من الاستكشاف خوفاً عليه، قد لا يحصل على فرص كافية لاكتشاف قدرته على القيام بالأشياء بنفسه.
ابدئي بالانفصال التدريجي
ليس المطلوب أن يعتاد الطفل على غياب والدته بصورة مفاجئة، بل يمكن تدريبه من خلال مواقف صغيرة ومتكررة.
ابدئي بالابتعاد عنه داخل المنزل لفترات قصيرة، وأخبريه بما ستفعلينه، مثل: "سأذهب لإحضار الماء وسأعود بعد دقيقة".
الأهم أن تعودي بالفعل عندما وعدته، لأن تكرار هذه التجربة يساعده تدريجياً على فهم أن ابتعادك لا يعني اختفاءك، وأنك ستعودين إليه.
وبالنسبة للأطفال الأصغر سناً، يمكن لألعاب الاختفاء والظهور البسيطة أن تساعدهم على فهم الفكرة نفسها بطريقة ممتعة.
لا تتسللي من دون وداع
قد تعتقد بعض الأمهات أن الخروج أثناء انشغال الطفل أو نومه يجنبهن مشهد البكاء، لكن اختفاء الأم بصورة مفاجئة قد يجعل الطفل أكثر قلقاً في المرات التالية.
لذلك من الأفضل أن يعرف أنك ستغادرين، حتى لو اعترض أو بكى قليلاً.
اجعلي الوداع بسيطاً وواضحاً: عناق وقبلة وجملة قصيرة تخبرينه فيها متى ستعودين، ثم غادري بهدوء بدلاً من إطالة لحظة الانفصال.
امنحيه مهاماً صغيرة يقوم بها بنفسه
الاستقلالية لا تبدأ عندما يكبر الطفل، بل يمكن بناؤها من خلال تفاصيل يومية بسيطة تناسب عمره.
اطلبي منه مثلاً جمع ألعابه، أو ترتيب وسادته، أو اختيار قطعة من ملابسه، أو مساعدتك في مهمة منزلية آمنة وبسيطة.
كل مرة ينجز فيها شيئاً بنفسه، يكتشف أنه قادر على التصرف من دون الاعتماد الكامل عليك، وهو ما يساعد على بناء ثقته بنفسه.
دعيه يلعب وحده وأنت قريبة منه
يمكن أن تكون الخطوة الأولى نحو اللعب المستقل بسيطة جداً: اجلسي في الغرفة نفسها واتركيه يلعب من دون أن تشاركي في كل لحظة.
بعد أن يعتاد ذلك، ابتعدي قليلاً مع بقائك ضمن مجال رؤيته، ثم زيدي المسافة والوقت تدريجياً.
الفكرة ليست إجباره على البقاء وحيداً، وإنما تعليمه أن وجودك بالقرب منه لا يعني ضرورة أن تكوني جزءاً من كل نشاط يقوم به.
وسّعي دائرة الأشخاص الذين يشعر معهم بالأمان
إذا كانت الأم هي الشخص الوحيد الذي يطعمه ويلعب معه ويقرأ له ويخرجه من المنزل، فمن الطبيعي أن تصبح مركز عالمه بالكامل.
لذلك من المفيد إشراك الأب أو الجدة أو شخص قريب وموثوق في بعض الأنشطة الممتعة، مثل قراءة قصة، أو تناول وجبة، أو الذهاب إلى الحديقة.
كما تساعد لقاءات اللعب مع أطفال آخرين على تطوير مهاراته الاجتماعية. يمكنك البقاء بالقرب منه في البداية، ثم ترك مساحة أكبر له للتفاعل مع الأطفال بمفرده.
امنحيه وقتاً خاصاً كل يوم
قد يبدو الأمر متناقضاً، لكن منح الطفل اهتماماً كاملاً لفترة قصيرة قد يساعده على أن يصبح أكثر استقلالية لاحقاً.
خصصي نحو 15 إلى 20 دقيقة يومياً للعب أو الحديث معه من دون هاتف أو أعمال منزلية أو أي مشتت آخر.
دعيه يختار النشاط، وشاركيه باهتمام كامل. عندما يحصل الطفل على جرعة كافية من الاهتمام والأمان، قد تقل حاجته إلى البحث عنهما طوال الوقت.
اعترفي بمشاعره بدلاً من إنكارها
عندما يبكي الطفل بسبب مغادرتك، تجنبي إخباره بأنه "لا يوجد شيء يستحق البكاء".
يمكن بدلاً من ذلك الاعتراف بشعوره بطريقة بسيطة: "أعرف أنك حزين لأنني سأذهب، وسأشتاق إليك أيضاً، لكنني سأعود بعد العمل".
بهذه الطريقة يتعلم الطفل أن مشاعره مفهومة، وفي الوقت نفسه أن الانفصال المؤقت أمر يمكن التعامل معه.
متى يحتاج التعلق الزائد إلى انتباه أكبر؟
يختلف قلق الانفصال من طفل إلى آخر، وقد يكون جزءاً طبيعياً من النمو. لكن إذا كان الخوف شديداً ومستمراً ويمنع الطفل من الذهاب إلى المدرسة أو النوم أو اللعب والتفاعل مع الآخرين، أو يسبب له ضيقاً واضحاً لفترة طويلة، فمن الأفضل مناقشة الأمر مع طبيب الأطفال أو مختص في الصحة النفسية للأطفال.
فالهدف في النهاية ليس جعل الطفل أقل حباً أو ارتباطاً بوالدته، وإنما أن يعرف أن أمانه لا يختفي بمجرد ابتعادها عنه، وأن لديه القدرة على الاستكشاف والتجربة والاعتماد على نفسه خطوة بعد أخرى.







