واعتمدت الدراسة، التي جاءت ثمرة تعاون استراتيجي بين جامعتي كامبريدج وإدنبرة ومؤسسات بحثية أوروبية وأمريكية، على تحليل دقيق لنحو 600 ورم نشأت في ظروف مخبرية محكمة. واكتشف العلماء بقيادة البروفيسور دنكان أودوم أن الأورام التي تبدو متشابهة في مراحلها النهائية قد تكون سلكت "طرقاً جزيئية" مختلفة تماماً للوصول إلى تلك الحالة، وهي طرق يفرضها التركيب الجيني الفريد لكل فرد. ويعني هذا الاكتشاف أن السرطان لا ينشأ بصورة عشوائية مطلقة، بل إن الخلفية الوراثية هي التي تحدد نوع الطفرات التي ستتراكم داخل الخلايا وكيفية تفاعلها مع السموم الخارجية مثل دخان السجائر.
ويشرح الباحثون أن السرطان يتطور عندما تفشل الخلايا في الدخول في عملية "الموت المبرمج" نتيجة تراكم التلف في حمضها النووي، وهو تلف تحفزه عوامل بيئية قوية مثل المواد المسرطنة في التبغ أو الأشعة فوق البنفسجية. إلا أن الدراسة أثبتت أن استجابة الجسم لهذا التلف تختلف جذرياً من شخص لآخر؛ فبينما يمتلك البعض "آليات دفاع جينية" توجه الخلايا المتضررة بعيداً عن مسارات الأورام الفتاكة، تفتقر أجسام أخرى لهذه الحماية الجينية، مما يجعلها أكثر عرضة لتحول التلف الأولي إلى ورم خبيث. ومع ذلك، شدد العلماء على أن هذه النتائج لا تعني وجود "حصانة جينية" مطلقة ضد أضرار التدخين، حيث يظل التبغ المسبب الأول لتدمير الخلايا وزيادة مخاطر الإصابة بأنواع متعددة من السرطانات.
وتمهد هذه النتائج الطريق لقفزة نوعية في مجال "الطب الدقيق"، حيث يسعى العلماء مستقبلاً لاستخدام هذه المعرفة في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر مبكراً، واختيار العلاجات التي تستهدف نقاط الضعف الجزيئية المحددة لكل ورم بناءً على الخلفية الجينية للمريض. ورغم أن الدراسة أُجريت على نماذج مخبرية وتتطلب مزيداً من البحث لتطبيقها الكامل على البشر، إلا أنها أضافت دليلاً دامغاً على أن فهم السرطان يتطلب معرفة طبيعة الجسم الذي يتعرض للعامل المسرطن بنفس قدر معرفة العامل نفسه، مما يغير استراتيجيات الوقاية والتشخيص والعلاج لتصبح أكثر تخصيصاً وفاعلية في مواجهة هذا التحدي الصحي العالمي.







