نون - لم تغيّر هجمات 11 سبتمبر 2001 السياسة الأمريكية وحدها، بل تركت أثرًا عميقًا في هوليود أيضًا، إلى درجة أن أفلامًا لم تكن تتناول الهجمات من الأساس خضعت للتعديل أو التأجيل، فيما تغيّرت صورة البطل الأمريكي وطريقة تقديم الحرب والانتقام على الشاشة.
وبعد مرور 25 عامًا على الهجمات، يبدو تأثيرها حاضرًا في السينما الأمريكية بأشكال متعددة؛ من الأفلام التي احتفت بالبطولة والتضحية العسكرية، إلى أعمال أخرى بدأت لاحقًا بطرح أسئلة أكثر صعوبة حول الحرب والعنف والسياسات الأمريكية.
إعلان سبايدر مان الذي اختفى بعد 11 سبتمبر
قبل أسابيع من الهجمات، طرحت شركة سوني إعلانًا تشويقيًا لفيلم "Spider-Man"، يظهر فيه عدد من المجرمين وهم يحاولون الفرار بطائرة مروحية، قبل أن تعلق الطائرة داخل شبكة عنكبوت ضخمة ممتدة بين برجي مركز التجارة العالمي.
بعد انهيار البرجين، أصبح المشهد شديد الحساسية، فسُحب الإعلان سريعًا، كما بدأت هوليود بإزالة صور البرجين من بعض المواد الدعائية والأعمال التي كانت قيد الإعداد.
لكن اختفاء البرجين من الصور لم يكن كافيًا لمحو الحدث من السينما، بل على العكس، أصبحت آثاره جزءًا من أفلام الحرب والكوارث والأكشن والانتقام التي ظهرت خلال السنوات التالية، حتى عندما لم تذكر 11 سبتمبر بصورة مباشرة.
هوليود بين الضحية ومراجعة الذات
ظهرت في السينما الأمريكية بعد الهجمات رؤيتان أساسيتان.
الأولى تعاملت مع الولايات المتحدة باعتبارها ضحية لهجوم مفاجئ، وركزت على الوحدة الوطنية والبطولة وضرورة مواجهة العدو.
أما الرؤية الثانية، فبدأت تدريجيًا بطرح أسئلة أكثر تعقيدًا: هل يمكن فصل ما حدث عن تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية؟ وما الحدود الأخلاقية لما فعلته الولايات المتحدة باسم الرد على الهجمات؟
ومع مرور السنوات، بدأت الحدود بين الاتجاهين تتداخل، فظهرت أعمال تنتقد الحرب والتعذيب، وأخرى تعيد النظر في صورة البطل الأمريكي الذي كان يُقدَّم سابقًا باعتباره صاحب الحق المطلق في استخدام القوة.
الإعلام رسم الصورة قبل وصول هوليود
قبل أن تنتج السينما أفلامها عن 11 سبتمبر، كانت وسائل الإعلام الأمريكية قد بدأت بالفعل في تشكيل الرواية العامة للهجمات.
انتشرت عبارات تؤكد أن "أمريكا تحت الهجوم"، وبرز استخدام خطاب يقوم على "نحن" و"بلادنا"، بينما أصبحت صور العلم الأمريكي حاضرة بكثافة في التغطيات.
ومن أشهر الصور التي ارتبطت بالهجمات لقطة ثلاثة من رجال الإطفاء يرفعون العلم الأمريكي وسط أنقاض مركز التجارة العالمي، وهي صورة أعادت إلى الأذهان مشهد رفع العلم الأمريكي في جزيرة إيو جيما خلال الحرب العالمية الثانية.
كما تكررت المقارنة بين 11 سبتمبر والهجوم الياباني على بيرل هاربر عام 1941، وهي مقارنة ساهمت في تقديم الأحداث ضمن إطار الهجوم المفاجئ الذي يستدعي ردًا عسكريًا.
عندما التقت هوليود بالبيت الأبيض
بعد أسابيع قليلة من الهجمات، وفي الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة حربها في أفغانستان، جرت اجتماعات بين شخصيات من صناعة الترفيه ومسؤولين أمريكيين.
لم يكن المطلوب كتابة أفلام محددة أو تسليم المنتجين سيناريوهات حكومية، لكن الرسائل التي طُرحت شملت دعم الجنود، وطمأنة الأطفال، والتأكيد على أن الحرب موجهة ضد الإرهاب وليس الإسلام، إضافة إلى تقديم المواجهة باعتبارها صراعًا عالميًا.
وفي تلك الفترة، بدأت شركات الإنتاج بإعادة النظر في مواعيد طرح أفلامها بحسب المزاج العام داخل البلاد.
أفلام تقدمت.. وأخرى اختفت مؤقتًا
كان "Black Hawk Down" من الأعمال التي أصبح مضمونها متوافقًا مع المناخ الجديد؛ فالفيلم يدور حول جنود أمريكيين يخوضون مواجهة عنيفة في بلد أجنبي، مع تركيز كبير على التضحية والرفاق والبطولة العسكرية.
في المقابل، واجهت أفلام تحمل رؤية أكثر انتقادًا للمؤسسات الأمريكية ظروفًا مختلفة.
تأجل "Buffalo Soldiers"، الذي يقدم معالجة ساخرة للفساد داخل الجيش الأمريكي، قبل أن يصل إلى الجمهور لاحقًا بحضور دعائي أقل.
كما تأجل "The Quiet American"، الذي يتناول التدخل الأمريكي ونشاط الاستخبارات في فيتنام، في وقت لم تكن فيه شركات الإنتاج متحمسة لطرح قصص تقدم الولايات المتحدة أو مؤسساتها بصورة سلبية.
عندما بدأت الرواية الموحدة تتصدع
لم تستمر صورة المجتمع الأمريكي المتوحد حول رواية واحدة دون تحدٍّ.
فقد قدم الفيلم الوثائقي "7 Days in September" مجموعة من التسجيلات التي التقطها أشخاص عاديون خلال الأيام التالية للهجمات، كاشفًا عن مشاعر وآراء أكثر تنوعًا مما كانت تقدمه الصورة العامة.
فإلى جانب الصدمة والحزن، ظهرت أصوات أمريكية تنتقد سياسات بلادها وتتساءل عن أسباب العنف، بينما دافع آخرون عن حقهم في الاعتراض وسط موجة الوحدة الوطنية.
وهنا بدأت الشاشة تقترب من سؤال مختلف: هل يكفي تصوير أمريكا كضحية، أم يجب أيضًا النظر إلى القرارات التي اتخذتها بعد الهجمات؟
البطل الأمريكي لم يعد دائمًا على حق
انعكس هذا التحول لاحقًا على أفلام لا تتحدث مباشرة عن 11 سبتمبر، لكنها تناقش الانتقام والعنف والعدالة.
في فيلم "Man on Fire"، على سبيل المثال، يتحول الانتقام إلى وسيلة يستخدمها البطل بعنف شديد في سبيل إنقاذ الأبرياء ومعاقبة المسؤولين.
أما "Mystic River"، فيقدم رؤية أكثر قتامة؛ إذ يصبح يقين الشخصية بأنها تعرف الحقيقة جزءًا من المأساة نفسها، ويتحول الانتقام من حل إلى قرار يحمل عواقب أخلاقية مدمرة.
ومن هنا ظهرت صورتان مختلفتان للبطل: بطل تمنحه القصة مساحة واسعة لاستخدام العنف لأنه يقاتل من أجل قضية يعتقد أنها عادلة، وبطل آخر تكشف القصة أن ثقته المطلقة في عدالة موقفه قد تكون بداية الكارثة.
بعد 25 عامًا.. ماذا فعلت 11 سبتمبر بالسينما الأمريكية؟
ربما يكون التأثير الأكبر لهجمات 11 سبتمبر على هوليود أنها غيّرت الأسئلة التي تطرحها الأفلام حول القوة والبطولة والعدو.
في السنوات الأولى، كان التركيز الأكبر على الصدمة والوحدة والبطولة والتضحية. لكن مع حربَي أفغانستان والعراق والجدل حول التعذيب والسياسات الأمنية، بدأت السينما الأمريكية تتحول تدريجيًا من سرد قصة الهجوم إلى مساءلة ما حدث بعده.
وبين أفلام قدمت أمريكا كضحية تحتاج إلى الانتقام، وأعمال شككت في الثمن الأخلاقي لهذا الانتقام، أصبحت 11 سبتمبر أكثر من مجرد حدث تاريخي يظهر على الشاشة.
فبعد ربع قرن، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ساعدت هوليود الأمريكيين على فهم ما حدث فعلًا، أم ساعدتهم على صياغة رواية يستطيعون العيش معها؟







