نون - تحل ذكرى رحيل الموسيقار رياض السنباطي، أحد أبرز أعمدة الموسيقى العربية الكلاسيكية، الذي ترك إرثًا فنيًا استثنائيًا ما زال حاضرًا في الذاكرة العربية، خصوصًا من خلال ألحانه لكوكب الشرق أم كلثوم وبصمته المميزة في تطوير فن القصيدة المغناة.
ورحل السنباطي في 10 سبتمبر 1981، بعد رحلة فنية جعلت اسمه مرتبطًا بالعود والمقامات الشرقية والألحان التي جمعت بين الرصانة والعمق العاطفي.
من «بلبل المنصورة» إلى عالم الموسيقى
ولد رياض السنباطي في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط، قبل أن ينشأ في المنصورة، حيث ظهرت موهبته الموسيقية في سن مبكرة متأثرًا بوالده الشيخ محمد السنباطي، الذي عمل في الإنشاد والغناء.
وتسببت إصابته بمرض في عينه خلال طفولته في ابتعاده عن الدراسة، ليتجه بصورة أكبر إلى تعلم العود والغناء برفقة والده، حتى عُرف في تلك الفترة بلقب "بلبل المنصورة".
وفي أواخر عشرينيات القرن الماضي، انتقل إلى القاهرة بهدف الدراسة في معهد الموسيقى العربية، إلا أن موهبته لفتت أنظار اللجنة الفنية، ليبدأ لاحقًا مسيرته داخل المعهد أستاذًا لآلة العود.
رحلة استثنائية مع أم كلثوم
شكّل رياض السنباطي وأم كلثوم واحدًا من أشهر الثنائيات في تاريخ الموسيقى العربية، واستمر تعاونهما لنحو أربعة عقود.
وبدأت الرحلة بينهما في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن يقدم السنباطي مجموعة من أبرز الأعمال التي ارتبطت بصوت كوكب الشرق، ومن بينها "نهج البردة" و"سلوا قلبي" و"ولد الهدى" و"الأطلال".
وكانت قدرته على تلحين القصائد باللغة العربية الفصحى من أبرز سمات تجربته، إذ نجح في تحويل النصوص الشعرية إلى أعمال غنائية تجمع بين قوة الكلمة وسلاسة اللحن والتعبير الموسيقي.
«الأطلال».. واحدة من أشهر بصماته
تحتل أغنية "الأطلال" مكانة خاصة في مسيرة السنباطي وأم كلثوم، وأصبحت واحدة من أشهر الأعمال الغنائية العربية.
وتميز السنباطي في هذا النوع من الأعمال بقدرته على التنقل بين المقامات الشرقية وصناعة مقدمات موسيقية طويلة ومتكاملة، منحت القصيدة الغنائية مساحة أكبر للتعبير والدراما الموسيقية.
تجربة سينمائية وحيدة
ورغم ارتباط اسمه بالتلحين والعزف، خاض رياض السنباطي تجربة سينمائية وحيدة عندما شارك عام 1952 في بطولة فيلم "حبيب قلبي" أمام الفنانة هدى سلطان، ومن إخراج هنري بركات.
وقدم خلال الفيلم عددًا من الألحان والأغنيات، من بينها "على غصون الشجر" و"فاضل يومين".
لكن تجربة التمثيل لم تستمر، إذ فضّل السنباطي العودة إلى عالم الموسيقى والتلحين والعزف على العود، الذي وجد فيه المساحة الأقرب إلى شخصيته وموهبته.
حارس للمقامات الشرقية
حافظ السنباطي طوال مسيرته على ارتباطه بالموسيقى الشرقية ومقاماتها، وبرز أسلوبه بالرصانة والعمق والقدرة على الانتقال بين المقامات بصورة سلسة.
كما ارتبط اسمه بآلة العود، التي شكلت جزءًا أساسيًا من هويته الموسيقية، إلى جانب مقدماته الطويلة التي لم تكن مجرد تمهيد للأغنية، بل حملت في كثير من الأحيان بناءً موسيقيًا متكاملًا.
جوائز وتكريمات في مسيرته
حصل رياض السنباطي خلال مشواره على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة المجلس الدولي للموسيقى التابع لليونسكو عام 1977، إلى جانب وسام الفنون في مصر ودكتوراه فخرية من أكاديمية الفنون.
وبعد مرور 45 عامًا على رحيله، ما زالت ألحانه حاضرة لدى أجيال مختلفة من المستمعين والموسيقيين، ليبقى السنباطي واحدًا من الأسماء التي أسهمت في تشكيل هوية الموسيقى العربية والحفاظ على ثرائها.







