نون - ليس كل الإرهاق سببه ضغط العمل أو كثرة المسؤوليات. أحياناً يأتي التعب من شعور مستمر بأن عليكِ أن تعرفي ماذا تقولين، وأن يكون لديكِ رأي واضح في كل موضوع، وأن تردي على كل تعليق أو اختلاف يمر أمامك.
هل أوافق أم أعترض؟ هل أوضح وجهة نظري؟ هل السكوت سيُفهم بطريقة خاطئة؟ هل يجب أن أدافع عن قراري؟
ومع تكرار هذه الأسئلة في العمل والعلاقات ومواقع التواصل الاجتماعي، قد يتحول إبداء الرأي من أمر طبيعي إلى عبء ذهني يستهلك جزءاً كبيراً من طاقتنا.
لماذا نشعر بأن علينا اتخاذ موقف من كل شيء؟
الحاجة إلى التعبير عن الرأي ليست مشكلة في حد ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما نشعر بأن الصمت أو عدم امتلاك موقف واضح أمر غير مقبول.
وقد تكون وراء ذلك أسباب مختلفة تتعلق بنظرتنا لأنفسنا وبالطريقة التي نتوقع أن يرانا بها الآخرون.
نريد أن نبدو واضحين دائماً
قد يربط البعض الوضوح بالقوة، فيشعرون بأن قول "لا أعرف" أو "ليس لدي رأي في هذا الموضوع" يجعلهم مترددين أو أقل ثقة.
لذلك نجد أنفسنا أحياناً نتخذ موقفاً سريعاً حتى قبل أن نمتلك معلومات كافية، فقط لأن وجود إجابة يبدو أفضل من عدم وجودها.
لكن عدم تكوين رأي فوري لا يعني الضعف. ففي بعض الأحيان، يكون الانتظار وجمع المعلومات أو ببساطة عدم الاهتمام بالموضوع خياراً منطقياً.
الخوف من أن يفهمنا الآخرون بطريقة خاطئة
قد ندخل في دوامة طويلة من الشرح لأننا نريد التأكد من أن الجميع فهم نيتنا كما أردنا تماماً.
نشرح لماذا اتخذنا قراراً معيناً، ونوضح ما قصدناه من جملة، ثم نعيد الشرح عندما نشعر بأن الطرف الآخر لا يزال غير مقتنع.
لكن مهما كان شرحنا دقيقاً، لا يمكننا التحكم بشكل كامل في الطريقة التي يفسر بها الآخرون كلامنا وتصرفاتنا.
وفي بعض المواقف، الاستمرار في التوضيح لا يحل سوء الفهم، بل يستهلك طاقة إضافية فقط.
ليس كل اختلاف معركة يجب الفوز بها
وجود رأيين مختلفين لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يجب أن يقنع الآخر.
لكن عندما نتعامل مع كل اختلاف باعتباره مواجهة، قد نجد أنفسنا في نقاشات طويلة حول أمور لن تغير شيئاً فعلياً في حياتنا.
وقد يتحول الهدف من تبادل الأفكار إلى محاولة إثبات من كان على حق، وهنا يصبح النقاش أكثر إرهاقاً وأقل فائدة.
أحياناً يكفي أن نقول: "نحن نرى الموضوع بشكل مختلف"، ثم نمضي.
مواقع التواصل تجعلنا نشعر بأن الصمت موقف
الأخبار والقضايا الاجتماعية وآراء المشاهير وحتى تفاصيل حياة أشخاص لا نعرفهم أصبحت تمر أمامنا طوال اليوم.
ومع كل موضوع تقريباً، توجد دعوة ضمنية للتعليق أو المشاركة أو الاختيار بين طرفين.
هذا التدفق المستمر قد يجعل الشخص يشعر بأن عليه امتلاك موقف من عشرات الأمور يومياً، حتى عندما لا تؤثر فيه بصورة مباشرة أو لا يمتلك معلومات كافية عنها.
لكن رؤية موضوع ما لا تعني أنك مطالبة بالتفاعل معه.
بعض القرارات لا تحتاج إلى شرح
من أكثر الأمور استنزافاً الشعور بأن كل اختيار شخصي يحتاج إلى ملف كامل من المبررات.
لماذا رفضتِ الدعوة؟ لماذا غيرتِ عملك؟ لماذا لم تردي؟ لماذا اخترتِ هذا وليس ذاك؟
هناك بالطبع مواقف يكون فيها التوضيح ضرورياً، خصوصاً عندما يؤثر القرار في الآخرين. لكن هناك أيضاً اختيارات شخصية يكفي أن تكون مناسبة لكِ.
ليس عليكِ إقناع الجميع بصحة كل قرار تتخذينه حتى يصبح قرارك مشروعاً.
كيف تعرفين أن النقاش يستحق طاقتك؟
قبل الرد أو الدخول في نقاش طويل، يمكن أن تسألي نفسك سؤالاً بسيطاً: ماذا سيحدث إذا لم أرد؟
إذا كان الموضوع يؤثر في حقوقك أو علاقاتك المهمة أو عملك أو قيم أساسية بالنسبة إليك، فقد يكون التعبير عن موقفك ضرورياً.
أما إذا كان مجرد تعليق عابر أو نقاش متكرر لن يؤدي إلى شيء، فقد يكون تجاوزه أكثر فائدة.
اختيار ما يستحق اهتمامك لا يعني اللامبالاة، بل يعني أنك لا تتعاملين مع طاقتك وكأنها مورد غير محدود.
لا بأس بأن تقولي "لا أعرف"
من الطبيعي ألا نملك رأياً في كل شيء.
يمكنك أن تحتاجي إلى وقت للتفكير، أو ألا تعرفي معلومات كافية عن الموضوع، أو ببساطة ألا يكون مهماً بالنسبة إليك.
والقدرة على قول "لا أعرف بما يكفي لأحكم" قد تكون أكثر نضجاً من اتخاذ موقف لمجرد الشعور بأن علينا امتلاك واحد.
ليس كل شيء يستحق موقفاً
هناك فرق بين أن تكوني صاحبة مبادئ وآراء واضحة في الأمور المهمة بالنسبة إليك، وبين أن تشعري بأن عليك الدخول في كل نقاش يمر أمامك.
يمكنك أن تهتمي بقضايا كثيرة من دون أن تتحدثي عنها جميعاً، وأن تختلفي مع شخص من دون محاولة تغييره، وأن تتجاهلي تعليقاً من دون أن يعني ذلك أنك عاجزة عن الرد.
فالنضج لا يظهر فقط في معرفة متى نتحدث وندافع عن موقفنا، بل أيضاً في معرفة متى لا يستحق الأمر دقيقة إضافية من يومنا.







