نون - بين مخاوف الخصوصية المرتبطة بالنظارات الذكية والتوسع المتسارع في استخدام الروبوتات، يفتح التطور التكنولوجي أبواباً جديدة للنقاش حول الحدود التي يجب أن تحكم هذه الابتكارات، خاصة مع وصول بعض الأجهزة إلى الأسواق قبل اكتمال التشريعات والمعايير المنظمة لها.
وفي وقت تتنافس فيه الشركات على إضافة المزيد من الكاميرات والذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة اليومية، اختارت شركة DuckDuckGo السير في الاتجاه المعاكس تماماً، من خلال طرح نظارة شمسية لا تضم كاميرا أو ميكروفوناً أو بطارية، في خطوة ساخرة من عالم الأجهزة الذكية المتصلة باستمرار.
نظارة "غير ذكية" تلقى إقبالاً لافتاً
طرحت DuckDuckGo نظارتها الشمسية بسعر 35 دولاراً، وقدمتها بأسلوب يحاكي الحملات الترويجية للأجهزة الإلكترونية، لكنها ركزت على ما لا تستطيع النظارة القيام به.
فلا توجد كاميرا، ولا ميكروفون، ولا إشعارات أو اتصال بالإنترنت، كما وصفت الشركة عمر البطارية بأنه "لا نهائي" لأنها ببساطة لا تحتوي على بطارية.
وحققت الفكرة اهتماماً واسعاً، إذ نفدت الكمية المطروحة خلال أقل من أسبوع، في مؤشر على وجود شريحة من المستهلكين تبحث عن منتجات أكثر بساطة وأقل ارتباطاً بجمع البيانات.
جدل متواصل حول نظارات ميتا
يأتي إطلاق النظارة بالتزامن مع تصاعد الجدل حول بعض النظارات الذكية التي تنتجها ميتا بالتعاون مع علامات مثل Ray-Ban وOakley.
وتتركز المخاوف بصورة خاصة حول قدرة هذه الأجهزة على تصوير الأشخاص المحيطين بالمستخدم، إضافة إلى التطورات المرتبطة بتقنيات التعرف على الوجوه والوصول إلى المعلومات الرقمية.
ودفعت مخاوف الخصوصية عدداً كبيراً من المنظمات الحقوقية إلى مطالبة ميتا بالتراجع عن بعض تقنيات التعرف على الوجوه، وسط تساؤلات حول حق الأشخاص في معرفة أنهم يخضعون للتصوير أو تحليل بياناتهم.
كما فرضت بعض الجهات قيوداً على إدخال النظارات الذكية إلى مواقع حساسة، من بينها قاعات محاكم ومواقع عسكرية، بسبب المخاطر المتعلقة بالتصوير وجمع المعلومات.
الخصوصية تصبح جزءاً من المنافسة التقنية
المفارقة أن DuckDuckGo، المعروفة أساساً بمحرك بحث يركز على الخصوصية، حولت عدم امتلاك المنتج لأي تقنية متقدمة إلى ميزة تسويقية.
فالرسالة الأساسية للنظارة ليست تقديم خصائص جديدة، وإنما منح المستخدم منتجاً لا يجمع المعلومات عنه أو عن الأشخاص الموجودين حوله.
ويعكس نجاح الحملة تحول الخصوصية نفسها إلى عامل يمكن للشركات المنافسة عليه، بالتزامن مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والكاميرات وأجهزة الاستشعار في المنتجات اليومية.
الروبوتات تتطور أسرع من قدرتها على التكيف
وفي جانب آخر من المشهد التكنولوجي، يشهد قطاع الروبوتات قفزات سريعة في القدرات الحركية والتصميم، لكن مستوى الذكاء والقدرة على التكيف مع الظروف المختلفة لا يزال يمثل تحدياً كبيراً.
فبعض الاختبارات أظهرت أن روبوتات تحقق معدلات نجاح مرتفعة في ظروف محددة قد تفقد جزءاً كبيراً من كفاءتها عند إجراء تغيير بسيط في البيئة المحيطة، مثل تعديل زاوية الكاميرا.
وتكشف هذه المشكلة الفارق بين تنفيذ مهمة متكررة في بيئة مضبوطة وبين القدرة على التعامل مع المواقف غير المتوقعة التي يواجهها البشر بصورة طبيعية.
ماذا يحدث عندما يتحول الخطأ الرقمي إلى حركة فعلية؟
تزداد حساسية هذه القضية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابات والمعلومات على الشاشة إلى التحكم في آلات قادرة على الحركة والتفاعل مع العالم الحقيقي.
فالخطأ في إجابة يقدمها نظام رقمي قد يؤدي إلى معلومة غير دقيقة، لكن الخطأ في قرار يتخذه روبوت صناعي أو آلي يتحرك بالقرب من البشر يمكن أن تكون له نتائج مادية مباشرة.
ولهذا تتصاعد الدعوات إلى وضع معايير واضحة تتعلق بالسلامة والمسؤولية القانونية قبل التوسع الكبير في نشر الروبوتات المستقلة.
أوروبا والصين تتحركان لوضع القواعد
مع تزايد المنافسة العالمية في قطاع الروبوتات، بدأت بعض الدول والمناطق الاقتصادية بوضع أطر تنظيمية جديدة.
وتتجه أوروبا إلى التعامل مع نماذج الروبوتات ضمن قواعد المنتجات والسلامة، بما قد يفرض على الشركات المصنعة الكشف عن المخاطر المحتملة المرتبطة باستخدامها.
وفي المقابل، أصدرت الصين معايير تتناول جوانب السلامة والأخلاقيات في تطوير الروبوتات، بالتزامن مع استثمارات ضخمة في تصنيعها واستخدامها.
الروبوتات تدخل المنطقة قبل اكتمال القواعد
وصلت نماذج مختلفة من الروبوتات بالفعل إلى عدد من الدول العربية وبدأ بعضها العمل في قطاعات الضيافة والخدمات والمعارض والمرافق المختلفة.
لكن الانتشار السريع يسبق في بعض الحالات وجود معايير دولية موحدة تحدد بوضوح المسؤولية عن الحوادث أو الأخطاء التي قد ترتكبها الأنظمة الآلية.
وهنا يظهر أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: التكنولوجيا لم تعد تنتظر القوانين حتى تلحق بها.
الأتمتة تعيد رسم سوق العمل
ولا تقتصر آثار الروبوتات على السلامة والخصوصية، بل تمتد أيضاً إلى سوق العمل.
وتكشف خطط شركات عالمية عن توجه متزايد للاعتماد على الأتمتة في الوظائف التي كانت تحتاج سابقاً إلى أعداد كبيرة من الموظفين، وهو ما يعيد فتح النقاش حول الوظائف التي قد تختفي وتلك التي ستظهر نتيجة التطور التقني.
وبين نظارة تتعمد التخلي عن التكنولوجيا وروبوتات تدخل المصانع والمتاجر بسرعة كبيرة، يبدو أن السؤال الأهم خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تفعل؟ بل أيضاً: ما الذي ينبغي السماح لها بفعله؟







