نون - يُعد التبرع بالأعضاء من القضايا التي تجمع بين البعد الإنساني والطبي والشرعي، لما يمكن أن يقدمه من فرصة لإنقاذ حياة مرضى أو تحسين حالتهم الصحية بصورة كبيرة. ومع تطور زراعة الأعضاء، يزداد التساؤل حول حكم التبرع بالأعضاء أثناء الحياة أو بعد الوفاة، والشروط التي تجعل هذا الإجراء جائزاً من الناحية الشرعية.
ما حكم التبرع بالأعضاء في الإسلام؟
اختلفت آراء العلماء في بعض تفاصيل نقل وزراعة الأعضاء، إلا أن عدداً من المجامع والهيئات الفقهية أجاز التبرع بالأعضاء ضمن شروط محددة، انطلاقاً من مقاصد الشريعة في حفظ النفس والتعاون على الخير وتخفيف معاناة المرضى.
ويشترط في التبرع من شخص حي ألا يؤدي استئصال العضو إلى هلاكه أو إلحاق ضرر جسيم به، وأن تكون هناك فائدة طبية حقيقية ومتوقعة للمريض الذي سيحصل على العضو.
كما يجب أن يتم التبرع بإرادة حرة ومن دون إكراه أو استغلال، مع الالتزام بالتقييم الطبي والقوانين المنظمة لزراعة الأعضاء.
هل يجوز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟
يرى عدد من العلماء والجهات الفقهية جواز نقل بعض الأعضاء بعد الوفاة عندما يكون الهدف إنقاذ حياة مريض أو علاجه من حالة خطيرة، مع مراعاة مجموعة من الضوابط الشرعية والطبية.
ومن أبرز هذه الضوابط التأكد من الوفاة وفق المعايير الطبية المعتمدة، ووجود موافقة قانونية معتبرة، إضافة إلى احترام جسد المتوفى وعدم التعامل مع أعضائه باعتبارها سلعة للبيع والشراء.
وفي المقابل، توجد آراء فقهية مختلفة حول بعض صور التبرع بعد الموت، لذلك يمكن لمن يرغب في اتخاذ قرار شخصي الرجوع إلى جهة إفتاء موثوقة لمعرفة الحكم المتعلق بحالته بالتحديد.
متى لا يجوز التبرع من شخص حي؟
لا يجوز أن يتحول التبرع إلى سبب يهدد حياة المتبرع أو يؤدي إلى فقد وظيفة أساسية لا يستطيع الجسم الاستمرار بصورة طبيعية من دونها.
لذلك يخضع المتبرعون الأحياء عادة لفحوص طبية دقيقة قبل اتخاذ القرار، للتأكد من قدرتهم على التبرع ومن أن المخاطر المحتملة تقع ضمن الحدود المقبولة طبياً.
ومن أكثر الأمثلة شيوعاً التبرع بإحدى الكليتين أو بجزء من الكبد في الحالات التي تسمح بذلك طبياً.
التبرع بالأعضاء ليس تجارة
من المبادئ الأساسية المرتبطة بزراعة الأعضاء التفريق بين التبرع والاتجار بالأعضاء.
فالتبرع يقوم على إرادة إنسانية تهدف إلى مساعدة المريض، بينما يثير بيع الأعضاء وشراؤها إشكالات شرعية وقانونية وأخلاقية خطيرة، لما قد يترتب عليه من استغلال للفقراء أو المحتاجين وتحويل جسم الإنسان إلى مجال للتجارة.
ولهذا تضع التشريعات والأنظمة الطبية في كثير من الدول إجراءات صارمة لتنظيم عمليات التبرع ومنع الاتجار بالأعضاء.
هل التبرع بالأعضاء بعد الموت صدقة؟
ينظر الكثيرون إلى التبرع بالأعضاء بعد الوفاة باعتباره من أعمال الإحسان التي قد يستمر نفعها للآخرين، خاصة إذا ساهم العضو المتبرع به في إنقاذ حياة مريض أو تحسينها.
أما وصفه تحديداً بأنه صدقة جارية من الناحية الفقهية، فقد يختلف بحسب تفسير العلماء لمفهوم الصدقة الجارية، لذلك يُفضل عدم الجزم بذلك، مع بقاء التبرع عملاً إنسانياً عظيماً يرجى للمتبرع الأجر عليه متى استوفى الضوابط الشرعية.
ما الأعضاء والأنسجة التي يمكن التبرع بها بعد الوفاة؟
بحسب الحالة الطبية وطريقة حدوث الوفاة، يمكن الاستفادة من عدد من الأعضاء والأنسجة، ومن بينها:
- القلب.
- الكبد.
- الكليتان.
- الرئتان.
- البنكرياس.
- القرنيات.
- بعض الأنسجة مثل الجلد والعظام وصمامات القلب والأوتار.
ولا يعني ذلك أن كل متوفى يصلح للتبرع بجميع هذه الأعضاء، إذ يعتمد الأمر على عمر المتبرع، وحالته الصحية، وسبب الوفاة، ووجود أمراض معدية أو سرطانية معينة، إضافة إلى سلامة العضو ومدى توافقه مع المريض.
كم تبقى الأعضاء صالحة للزراعة بعد الوفاة؟
تختلف المدة التي يمكن خلالها حفظ الأعضاء ونقلها من عضو إلى آخر، كما تتأثر بطريقة الحفظ والنقل والحالة الطبية.
ولهذا تتعامل فرق زراعة الأعضاء مع عملية النقل باعتبارها سباقاً مع الوقت، إذ تكون بعض الأعضاء مثل القلب والرئتين أكثر حساسية للمدة، بينما يمكن حفظ أعضاء أخرى مثل الكلى لفترة أطول باستخدام تقنيات طبية متخصصة.
ولا يمكن الاعتماد على رقم واحد ثابت لكل الحالات، لأن تحديد صلاحية العضو للزراعة مسؤولية الفريق الطبي المختص.
الأردن يوسع خدمات التبرع بالأعضاء رقمياً
في الأردن، اتجهت الجهات الرسمية خلال السنوات الأخيرة إلى تسهيل إجراءات تسجيل الرغبة في التبرع بالأعضاء وتعزيز الوعي بأهميته، ضمن جهود تهدف إلى مساعدة المرضى المحتاجين لعمليات الزراعة وتنظيم هذا المجال وفق الأطر القانونية والطبية.
وتساهم الخدمات الرقمية المرتبطة بالتبرع في تسهيل تسجيل رغبات المواطنين، لكنها لا تلغي الإجراءات الطبية والقانونية التي يجب اتباعها عند حدوث حالة تبرع فعلية.
قرار إنساني يحتاج إلى وعي كامل
يبقى التبرع بالأعضاء قراراً شخصياً وإنسانياً مهماً يمكن أن يمنح شخصاً آخر فرصة جديدة للحياة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى فهم واضح للضوابط الشرعية والقانونية والطبية.
وقبل اتخاذ القرار، يُنصح بالحصول على المعلومات من الجهات الصحية الرسمية، ومناقشة الأمر مع الأسرة، والاستفسار من جهة شرعية موثوقة عند وجود أي تساؤلات حول الحكم الديني.







